...

المحصل

العدالة القرآنية: مراجعة لكتاب القرآن والمجتمع العادل

مارجان آسي

ترجمة: يارا عمار

يسعى رومان هارفي في كتابه القرآن والمجتمع العادل إلى وضع إطار تأسيسي للعدالة الاجتماعية كما نص عليها القرآن، وقد عالج هذه المهمة الشاقة في أربعة أجزاء. يقدم الجزء الأول الأساس الأيديولوجي الذي تُفهم وتطبَّق العدالة من خلاله، بينما تطبِّق الأجزاء الثلاثة المتبقية هذا الفهم على ثلاثة مجالات (السياسية والاقتصادية والقضائية).

يتعمق الجزء الأول في فكرة العدالة وأسسها الفلسفية وتفسيراتها الإسلامية وتطبيقاتها النظرية. ويركز الجزء الثاني على العدالة الاجتماعية والسياسية، وتتجلى الأحكام القرآنية المتعلقة بها في أبواب السياسة (شرعية الحاكم، ولاء الرعية) والسلم (المعاهدات والتحالفات) والحرب (الجهاد، فسخ التحالفات، الجزية). ويتوسع الجزء الثالث في تناول الأوصاف الاجتماعية والاقتصادية في القرآن أو “العدالة التوزيعية” وهي تصنف ضمن المجالات الاجتماعية الأوسع كالتجارة (التجارة العادلة، الربا) والزكاة، والنطاقات الأسرية الضيقة المتمثلة في الزواج (العقد والحقوق، الخلافات الزوجية، الطلاق، الترمّل) والإرث (اليتامى، الوصايا، أسهم المواريث). أما الجزء الرابع فيناقش العدالة القضائية أو “العدالة الإصلاحية” في القرآن، وتحديدًا الجرائم العامة (القتل، قطع الطريق) والجرائم الخاصة (السرقة، الزنا، القذف).

بوجه عام، يعد هذا الكتاب موردًا ممتازًا لمَن يهتم باستكشاف الموضوعات القرآنية المتعلقة بالعدالة الاجتماعية. وهذا مسعى صعب لعدم وجود وفرة من الأعمال السابقة التي تركز على الأوجه المتعددة والدقيقة أحيانًا للعدالة في القرآن الكريم. يتناول هارفي هذه الأوجه ببراعة من خلال نهج جديد للعدالة، نهج يرتكز على حكمة الله التي تعرفها البشرية جمعاء، سواء في ذلك المؤمن وغير المؤمن. يُشار إلى هذا الطرح الأزلي والمثير للجدل بعض الشيء بـ “القانون الطبيعي”. رغم أن البشر أجمعين يسير عليهم هذا النظام الأخلاقي الطبيعي، فقد خصّ الله المؤمنين بكلمته المكتوبة -القانون الإلهي [الشريعة]- الذي أنزل لإكمال القانون الطبيعي. وينتج عن تكامل هذين القانونين إقامة المجتمع العادل.

يُدرس تطبيق هذا القانون في الأجزاء من الثاني إلى الرابع. ورغم التحديد الواضح لعدد الموضوعات التي يطرحها القرآن، فقد أجاد هارفي في مناقشة العدالة القرآنية ضمن المجالات التي يفصّل فيها القرآن. غالبًا ما تفسَّر الأحكام المجتمعية ضمن سياق العصر النبوي الذي شُرعت فيه، وإن كان ذلك لا يمنع من الاستعانة بقصص الأنبياء السابقين والكتاب المقدس ومناهج التأويل. من الموضوعات التي تظهر من تحليل هارفي تصنيف آيات القرآن ضمن الحقبتين المكية المدنية، ويخلص إلى أن آيات كلتا الحقبتين تعكس التطور البشري من القانون الطبيعي إلى القانون الإلهي: “يمكن فهم القرآن المكي على أنه يوجّه المخاطبين إلى اتباع القانون الطبيعي -الأخلاقيات التي يُفترض أنهم على دراية بها- بينما يقدم القرآن المدني أسس القانون الإلهي المكملة للقانون الطبيعي”.

يفضي تحليل هارفي لهذين القانونين إلى بعض الاستنتاجات المستحسنة. ففي مجال السياسة يقول إن السلام هو المبدأ الأساسي للمجتمع الإسلامي في التعامل مع غير المسلمين (داخل بلاد المسلمين أم خارجها) وأن الحرب هي الملاذ الأخير لضمان الأمن. وهذا النهج السمح يمتد إلى الناحية القضائية حيث ينصب التركيز على التوبة والاستغفار والصلح بين الطرفين الظالم والمظلوم.

9781474452755_3

لا تطبّق العقوبات إلا لردع الجريمة في سبيل استعادة النظام الأخلاقي. كما يقدم حجة مقنعة لإقامة نموذج اقتصادي يكفل للأفراد حق تملك الثروة، لكن مع تحمل المسؤولية تجاه المجتمع، مما ينتج عنه تدفقًا مستمرًا للثروة بين الطبقات العليا والدنيا وبين الأجيال.

تساهم تقسيمات المؤلف وتفريعاته في تسهيل استعراض الموضوعات المطروحة للمناقشة، لكنها ليست محددة بوضوح دائمًا. ففي فصل “الحرب” لا توجد أقسام، ولم يأتِ ذكر لموضوع الخيانة ضمن الموضوعات التي نوقشت فيه، بل آثر المؤلف التركيز على فسخ التحالفات. والفتنة مجال آخر يستحق النقاش ضمن إطار العدالة المجتمعية، ورغم أنها ذُكرت 60 مرة في القرآن، فقد اقتصر المؤلف على الإشارة إليها بإيجاز ضمن قصة نبوية. من المفهوم أنها موضوع واسع قد يأخذ حيزًا كبيرًا لا يتناسب مع عمل صغير (200 صفحة)، لكن إغفاله تمامًا دون تفسير أمر مُحبط.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن موضع بعض الآيات التي نوقشت يثير الحيرة أحيانًا. على سبيل المثال، الآية الثامنة والخمسون من سورة الأنفال تتحدث عن نقض المعاهدات، ومع ذلك وضعها المؤلف في فصل “السلام” وليس “الحرب”. لكن مرة أخرى، قد يصعّب ضيق المجال مناقشة كل آية ذات صلة مع كل دلالاتها المحتملة، لكن يظل سبب اختيار المؤلف آيةَ معينة لقسم دون ما سواه غير واضح.

أمّا فيما يتعلق بالأسلوب، فقد أجاد المؤلف في تعزيز مفاهيم التي يقدمها، لكن عرض هذه المفاهيم مُربك في بعض الأحيان. فمصطلحات مثل “النحو التداولي”، “أخلاقيات القانون الطبيعي للماتريدية الحديثة”، قد تُشعر القارئ غير المطلع على هذه المفاهيم بالتيه. لكن مع مواصلة إيضاح الموضوع في الأجزاء من الثاني إلى الرابع عبر تطبيقات هذه المفاهيم، يصبح استيعابها أسهل. كما قد يكون الأنسب لبعض النقاشات أن تُذكر في حاشية، فمثلًا توجد مناقشة مطولة حول منهجية الحديث ونقّاده من الواضح أنها تحيد عن الموضوع الرئيسي، والأفضل إيجازها في بضع فقرات، لا صفحات.

وبصرف النظر عن هذه الانتقادات الطفيفة، فإن الكتاب يحتفظ بمكانته بين أدبيات الفكر السياسي الإسلامي والأعمال القرآنية بوجه عام. لقد وُفّق هارفي في رسم معالم نموذج قرآني للعدالة في المجتمع، رغم بعض الثغرات اليسيرة. وكما هو شأن أي نص مقدس، من الوارد أن تتعدد أوجه تفسيره، وهو ما يفتح باب النقاش والاحتجاج حولها. إلا أن هارفي يتبع نهجًا عقلانيًا ومتسقًا يمكّن القارئ من استيعاب تفسيراته، وإن لم يقتنع بها دائمًا.

المصدر

المزيد من المقالات

  • All Posts
Seraphinite AcceleratorOptimized by Seraphinite Accelerator
Turns on site high speed to be attractive for people and search engines.