يقدم رواية شاملة لكيفية تحول منظومة الفقه الإسلامي من تقاليد جماعية متطورة، إلى مشروع علمي فردي.
Menu
منذ صدور كتاب “علوم القرآن: نقد العلمية، ومقاربة في البناء“، وهو يحظى باهتمام عند المتخصصين في علوم التراث بشكل عام، وقد نشرت في تقويم الكتاب ومراجعته عدة كتابات أكاديمية رصينة، مما يؤكد على نجاحه في إحداث نقاش حقيقي حول مدى أحقية علوم القرآن بتصنيفها علمًا.
ليس هذا هو الكتاب الأول لمؤلفه الدكتور خليل اليماني، وليس كذلك هو أول محاولة له في مجال الاشتغال المنهجي على العلوم، فقد سبق له نشر عدد من الأبحاث والكتب حولها بشكل مستقل وجماعي، مما أكسب كتابه الذي بين يدينا نضجًا في التنظير والتطبيق، فحدث حوله نقاش لم نعتده كثيرًا في الكتب العربية.
ركزت في هذا الحوار مع الدكتور خليل اليماني على خلفيات الكتاب وفروضه الأساسية، وعلى سعيه لتأسيس درس عربي في مناقشة علوم التراث وتجديدها، وعلى المحور الذي أراه أهم محاور الكتاب: الممارسة المعرفية.
أترككم مع الحوار:
يظهر في أعمالك السابقة، من مقالات وكتب ودراسات، ميلٌ واضح للاشتغال على العلوم أكثر من مسائلها. ما الذي دفعك إلى هذا المسار؟ وما الذي وجدته في دراسة العلم نفسه، لا دراسة مسائله؟
لدينا العلوم ولدينا مسائل العلوم، فالعلم يختلف من حيث هو عن المسائل والقضايا الداخلة فيه، وهذا طبيعي جدًا باعتبار العلم بالأساس هو القضية التي أوجدت هذه المسائل بتفاصيلها المتنوعة وتفاريعها المختلفة.
وأما اهتمامي بدراسة العلوم فهو اهتمام يتركز على دراسة العلوم من حيث هي، لاسيما علوم القرآن التي هي مجال اختصاصي الرئيس، وسبب اندفاعتي بالأساس لهذا المسار هو قناعة علمية تشكلت مع طول احتكاكي ودراستي لعلومنا التراثية بشكل عام والعلوم القرآنية بشكل خاص، وحاصل هذه القناعة أن علومنا مأزومة منهجيًا، وأن حالة الهمود التي ضربتها ومعها العقل الإسلامي ترجع أولًا وبالأصالة لإشكالات ومآزق منهجية كبرى كامنة في هذه العلوم، وهذه المآزق صارت مع الوقت بمثابة عوائق تكبح جماح العلوم وتصدها عن متابعة مسيرتها وتحقيق مقاصدها.
إن هذا الهمود الحاصل لمعارفنا يرصده بعض الباحثين المعاصرين، ولكنهم يرجعونه عادة لعوامل خارجية كالغزو الذي اجتاح بلادنا وظهور الاستشراق وغير ذلك، ولكن هذا برأيي غير دقيق كما ناقشتُه في درس خاص.
والعامل الخارجي في حالتنا هذه غايته أن يكرس واقعًا موجودًا بالفعل لا أن يصنعه، وفي ضوء قناعتي التي ذكرت حول العلوم اندفعت في مسار نقاش العلوم وتقويم علميتها، فهذا المسار هو ما يتيح لي البرهنة على هذه القناعة ذاتها وأن أتخذ مسارًا علميًا منهجيًا في إثباتها والتدليل عليها، فحين تكون مقتنعًا بأن مشكلة همود علومنا ذاتية في المقام الأول بسبب ما تعانيه هذه العلوم نفسها من تشوش منهجي، وأن هذا التشوش هو الذي يصدها -ومعها العقل الإسلامي ككل- عن التطور ومتابعة النمو، فإن تصديك لنقاش العلوم سيُلزمك تلقائيًا ولابد بالإبانة عن المآزق والعقبات الإبستمولوجية الماثلة في بنيتها، وبهذا تدلل على القناعة وتؤكدها بصورة علمية.
وهذا مهم جدًا، فشيوع التصور بمآزق العلوم في مجتمعاتنا العلمية، وأن يكون ذلك مشتهرًا بين الدارسين، هو مما يدفع في حصول التوافق على وجود الخلل ومن ثم ضرورة التوجه نحو الإصلاح والتغيير لأوضاع هذه العلوم. هذا الإصلاح الذي من شأنه أن يحقق لنا فوائد عديدة، فمن خلاله يمكن لعلومنا أن تتخلص ذاتيًا من كوابحها وعوائقها، وتسترد عافيتها وتكون مهيئة داخليًا وذاتيًا للنمو، ومن ثم تتابع رحلة ودورة جديدة من حياتها، ويستأنف معها العقل الإسلامي نشاطه وفاعليته وريادته مرة أخرى، ما يعين ليس فقط على النهوض بالمعارف ولكن أيضًا على استرداد الذات الحضارية من حيث هي، فمع ولادة المعارف من جديد يُولدُ العقلُ الإسلامي مرة أخرى ويضطر لخوض غمار الإنتاج المعرفي، وبذلك تولدُ الذات الإسلامية ككل مرة أخرى ويتحقق وعيُها بنفسِها وبخصائصها واستقلاليتِها وأصالتِها…إلخ مما يعِين على صقل هذه الذات وتقوية مناعتها وحفزها على المواجهة والمقاومة واستردادِ مكانتها على كافة الصعُد من خلال عمل دؤوب.
وأيضا فمما دفعني لمسار نقاش العلوم هو وجاهته وكفاءته كمسار في حفزنا للنظر في فلسفة العلوم وتوليد فكر إبستمولوجي خاص بنا، فقد نشطت في الأوساط الغربية حالة الاهتمام بفلسفة العلوم والإبستمولوجيا، وأنتجوا فيها نتاجًا علميًا كبيرًا ومهمًا، في حين لم يتولد هذا الاهتمام عندنا في التراث مثل هذا المجال رغم أهميته في ضبط النظر للعلوم والمعارف وتصدير معرفة تنعكس بالتطوير على هذا المعارف.
تصدينا لنقاش علومنا وتقويم علميتها يحتاج بحكم طبيعته لعدة إبستمولوجية من نحو تأمل مفهوم العلم ومعيار اعتبار العلمية وكيفيات تصنيف العلوم من حيث هي، وغير ذلك، وهذا يدفع تلقائيًا لأن ننشغل عمليًا ببناء ميدان لفلسفة العلوم عندنا وأن نكون فيه في حالة نقاش للمنجز الغربي، وتوليد فكر إبستيمي خاص بنا يتناسب تفعيله مع واقع معارفنا، وبهذا نخرج من حالة التبعية والاجترار للمقولات الغربية في هذا الشأن ونتجه لطرح إضافات جوهرية في فلسفة العلوم، لاسيما وأننا أمة صاحبة علوم منذ قديم، ولدينا قدرة متى ثورنا النظر المنهجي لعلومنا أن نولد فكرا في هذا الجانب نصدره لغيرنا في ضوء تجربتنا الطويلة وحضور علوم عندنا جرى فها دفع هائل منذ قرون متطاولة.
إنني ومن خلال التشاغل بدراسة العلم من حيث هو وجدت أن هذا يعد مسلكًا مهمًا ومفيدًا على صعد كثيرة، فبه نتمكن من تجريد النظر للعلم من حيث هو، ما يعين على حسن التأريخ الإبستمولوجي للعلم ذاته ورصد تحولاته وانعطافاته، ومن ثم دراسة هذه الانعطافات وتحليلها، ما يعمق وعينا بتشكلات العلم وكيفيات حصول هذه التشكلات وتصور الإشكالات الحافة بها. كما أن تجريد النظر للعلم ذاته يمكننا من دراسة العلم ذاته وتقويمه، ومن ثم حل إشكالاته وتحريره من مآزقه بحيث يستقبل عهدًا جديدًا يكون فيه أقدر على تحقيق غاياته، أي أننا عبر هذا المسلك يمكننا تجديد العلم.
وموضوع التجديد نعلم جميعًا أنه ابتذل بشدة من كثرة طرحه في السنوات الماضية، لكن نقاش علمية العلوم هو السبيل اللاحب لتحقيقه وضبط التشاغل بها منهجيًا، فتجديد العلم -فيما تحرر لي- هو فعل يقوم على استلهام العلم من حيث هو وإعادة سبكه في إطار جديد يخلص العلم من إشكالاته ويفتح فيه آفاقًا جديدة للعطاء المعرفي، وهذا يلزم بضرورة هضم العلم ذاته هضمًا جيدًا ومساجلةِ بناءاته والاشتباكِ مع الحيثيات الكبرى المؤطرة له وتقويمها؛ لتحدث بذلك عملية التدافع المعرفي التي تنهدمُ معها بناءات معينة للعلم ذاته وتَظهر أخرى بديلًا عنها، فيأتي بذلك تجديد العلم بوصفه نقاشًا منهجيًا صارمًا، ونتاجًا طبيعيًا للتفاعل مع التراث القائم للعلم، وكذلك يكون إعادة بعثٍ للعلم من جديد وليس منبتّ الصلة بالعلم وبالجهود التي قامت في ساحاته، فالتجديد لا يكون صفريًّا يحاول ابتداع نسق جديد للعلم ليس له علاقة بواقعه الماثل قبل ولا اتصال به وليس ناتجًا من الاشتباك مع هذا الواقع، الأمر الذي يفضي ولا بد لتحييد الواقع السابق للعلم ويؤدي لتجاهله وحدوث قطيعة في التعاطي معه، وفي رأينا أن هذا النمط من التجديد يحمل في طياته اعترافًا بعدم مشروعيته من حيث هو، وأن مشروعيته مكتسبة فقط من عنوان التجديد الذي يضعه لا غير، بخلاف تقويم العلوم بالصورة التي ذكرنا فإنها لا تجعل التجديد يكون صفريًا، وتعين على وقوعه منهجيًا بصورة حسنة منضبطة لها مسوغاتها المنهجية من قلب العلم، وتكون نابعة بالأساس من نقاش بناءه القديم والقائم.
على أنني أحب التأكيد فقط هاهنا على أن تقويم العلوم يحتاج ولابد لهضم لمسائل العلم أولًا وصبر على تحصيل هذه المسائل ذاتها بقدر جيد، وإلا تعذر القيام به أو صارت نتيجته هزيلة غير مفضية للغرض منها، ولكن كلما كان القائم بهذا التقويم هاضمًا لمسائل العلم تمكن بدرجة أكبر من تعميق النقاش للعلم والتدليل المفصل على بيان إشكالاته ومآزقه وعوائقه المعرفي من خلال استعراض واقع العلم وأطراف كلية من مسائله وقضاياه.
تكرّر في كتابك الحديث عن “الممارسة المعرفية” باعتبارها مفهومًا جوهريًا لأي علم. لماذا ترى أن هذا المفهوم أساسي في تكوين العلوم ونموّها؟ وكيف يمكن غيابه أن يُضعف العلم أو يُفقده فاعليته مثلما حصل في علوم القرآن؟
الممارسة المعرفية هي عبارة عن نشاط منهجي يكون له موضوع خاص وموارد معينة في القيام به وينتج عنه ثمرة معينة، ويكون قابلًا لدوام النمو والتتابع، فالممارسة هي فعْل الفقه نفسه أو فعل التفسير نفسه، وهكذا، والعلوم -كما فصّلتُ في الكتاب وفي بحث (تصنيف أنواع العلوم)- هي استجابة لحضور هذه الممارسات، فبسبب أهمية الممارسات وأهمية الحفاظ عليها ورعايتها فإننا نحتاج ولابد لأطر معرفية تتخذ من خدمة هذه الممارسات في زاويا ما موضوعا لها، وهذا الأطر هي العلوم؛ أي أن العلوم ليست هي الممارسات ولكنها قضايا علمية متمايزة تكتنز الممارسات نفسها من حيثية محددة وتشتغل بهذه الممارسات من زاوية معينة وتنتج حركة بحث خاصة بها في ضوء طبيعة القضية الخاصة بالعلم، فالممارسات المعرفية تظهر أولا والعلوم تولد بعد ذلك كاستجابة طبيعية لبروز الممارسات في الواقع، وقضايا العلوم تتشكل بحسب طبيعة الخدمة ومسلك العمل الذي يرتبط به العلم مع الممارسة، ولهذا تنقسم العلوم من حيث هي لقسمين؛ أحدهما لتقنين مزاولة الممارسات، والآخر لصناعة الوعي بالواقع القائم للممارسات.
في ضوء التأصيل الذي طرحته لمفهوم العلم فقد ذكرت أن القضايا العلمية منها قضايا جزئية وأخرى كليّة، والقضايا الجزئية هي موضوعات ذات أفق ضيق يخلق فضاءً بحثيًا محدودًا يسير ببعض الكتابات القليلة، وأما القضايا الكلية فهي موضوعات لها أفق بحثي كبير وتولّد بحكم طبيعتها حالة اشتغال معرفي موسَّع جدًا وقابل للامتداد والنمو بصورة هائلة ودائمة، ومن ثم كانت القضايا العلمية الكلية هي الأحرى -في ضوء طبيعتها- بأن تكون علومًا، بخلاف القضايا العلمية الجزئية التي يمكن أن تكون مسارات بحث وتأليف ولا توصف بالعلمية إلا من قبيل التسامح في إطلاق الاصطلاح لا غير.
حينما ننظر للسبب الذي يعطي العلم هذه الخاصية التي تمايزه عن مسارات البحث والتأليف نجد أنه الممارسة، فارتباط العلم بخدمة الممارسة التي تظل في حالة ديمومة وتتابع فإن هذا يجعل العلم الخادم لها يظل تلقائيا في حالة بحث متسارع ودائب وفي حالة نمو مستمرة وهادرة. فالممارسة إذا هي سبب وجود العلم وسر حياته وما يمنحه هويته بالأساس.
وكذلك فإن ارتباط العلم بالممارسة وخدمته لها يجعل للتشاغل بالعلم غايات كبرى ظاهرة ومنضبطة يمكن الوقوف عليها بيسر، فحينما يكون العلم خادمًا للممارسة مثلًا من جهة صناعة الوعي بواقعها التطبيقي القائم، فإن كافة تفاصيل العلم وموضوعاته ومعلوماته يكون لها سياق كلي عام وثمرة رئيسة وغاية كبرى مفهومة من ورائها، وليس مجرد معطيات مفككة ومتناثرة لا تُكسب ملكة لدراس العلم في اتجاه محدد، وهذا يصون عملية تحصيل العلم عن التشتت في التفاصيل الكثيرة الهائلة للعلم. وأيضًا يؤدي وجود الممارسة وتشاغل العلم بها في زاوية محددة لضبط حركة تفريع الموضوعات في العلم، وأن يكون لها بؤرة محددة تسهم في ضبط هذا التفريع ومنعه من الشتات، وغير ذلك.
إن العلم إذا انفك وجوده عن ممارسة معرفية ولم يكن مشتغلًا بخدمة ممارسة في منحى معين فإن هذا يسلب العلم علميته ولابد، حيث لا نكون ساعتها أمام موضوع كلي أصلًا وإنما أمام موضوع جزئي يكون مسار بحث علمي لا علمًا، وكذلك يصاب العلم بأمراض ومآزق منهجية كثيرة هي عكس ما ذكرناه قبل من فوائد، حيث تتشتت معطياته ولا تبرز لها غاية وثمرة مركزية، وغير ذلك مما بيناه عمليًا في نقاشنا لعلم علوم القرآن بسبب عدم ارتباطه بخدمة ممارسة، ولهذا فإننا في الطرح الذي نقدم لضبط العلوم نرى لزوم ارتباط العلوم بالممارسات المعرفية وخدمتها وأن هذا هو السبيل المنضبط في النظر للعلوم وتأسيسها.
مع نهاية الكتاب، تبرز قناعة بأن عددًا من علوم التراث بحاجة إلى إعادة بناء. برأيك، هل يعود هذا إلى ثغراتٍ أصيلة لم يعالجها علماء التراث؟ أم أن تغير السياق هو ما جعل من إعادة البناء ضرورة في هذا العصر؟
الكتاب يناقش بالأساس علوم القرآن، وقد اجتهدت في هذا النقاش بيان جملة من الإشكالات المنهجية في نسق علوم القرآن وفي طريقة بنائها، فبينت كيف أن علم (علوم القرآن) هو مجرد غاية بحثية جزئية وليس موضوعًا كليًا، فضلًا عن أن الغاية التي يقوم عليها هذا العلم ليست نقطة اشتغال علمي على القرآن الكريم في منحى معين.
وبسبب هذه الطبيعة المشوشة لموضوع هذا العلم انشعبت فيه جملة إشكالات؛ إذا صار اصطلاحه شاذًا ومخالفًا لنسق العلوم، وكذلك صار علمًا بلا جملة موضوعات محددة، وغير ذلك مما فصلت فيه. وكذلك بينت كيف أن علوم القرآن كثيرة العدد جدًا، وأنها عبارة عن قضايا جزئية في حقيقتها ما أورث الساحة القرآنية جملة الإشكالات، وكل هذا النقاش لبيان حقيقة أن هذه العلوم مأزومة من داخلها، وأن الحاجة لإعادة بنائها ترتبط بإشكالات منهجية تنشب أظفارها في أعناق هذه العلوم، فالأمر ليس إذا مرجعه أبدا لتغير السياق الحضاري، وإنما هي بسبب أزمات ماثلة في طريقة تأسيس هذه العلوم يوم أُسِّست، وإشكالات حاضرة في مسلك بناء علومنا يوم بنيت، أزمات وإشكالات أثرت بالسلب على أوضاع هذه العلوم وأصابتها بالهمود وشلت فاعليتها.
إن العلوم تستهل رحلتها وانطلاقتها وفق نسق معين، ثم سرعان ما يكثر العلم ويتزايد فيه المشاركون فتظهر مسارات معرفية عديدة وأنساق متنوعة يجري فيها الدفع المعرفي، ويتخذ العلم في مسيرته منعطفات وتجري فيه نقلات وتشكلات على أيدي البحثة فيه، الأمر الذي يحتاج العلم معه ولابد إلى قراءات تجادل هذا العلم ذاته وتبحث مدى كفاءة نسقه العام وتنظر في التشكلات والبناءات التي انتظمته وتقوّم هذه التشكلات وأثرها في خدمة العلم والارتقاء به، وترفع بالتالي -في ضوء رؤيتها للتشكل الأصلح- من شأن بعض التشكلات وتطالب بهدم غيرها، وهكذا يتجدد العلم ويحتفظ بنضارته وينطلق انطلاقة أرشد نحو غاياته وتنزاح عن كاهله المسارات المشكلة التي قد تعوق مسيرته وتمنع من تحقيق غاياته.
وإن أحد جوانب الإشكال البارزة برأيي في العلوم الإسلامية التراثية أنها مضت وانطلقت وتراكم فيها نتاج معرفي مذهل ومتنوع ومتعدد، إلا أن هذه العلوم لم تحفل في التراث بقراءات تقويمية للعلوم من حيث هي، تجادل نسق بناء هذه العلوم وتنظر فيما هو أفضل وتدعم حضوره، ما جعل علومنا تبدو بلا فلسفة ظاهرة في نسق تأسيسها، وبلا معيار محرر ترتد إليه في بناء العلمية، وتكون متغايرة في أنساقها ومختلفة في مبانيها الكلية، فالعلوم في الساحة الفقهية الأصولية تختلف مثلًا من حيث هي عن طبيعة العلوم في الساحة القرآنية والساحة الحديثية، وهكذا. وكذلك أفضى عدم خضوع العلوم للتقويم في التراث لأن تتمدد العلوم أحيانا في ظل بناءات حاملة لإشكالات منهجية عديدة تصد العلوم عن متابعة التقدم وعن تحقيق أهدافها بصورة ناجزة، فنحن إذا أمام ثغرات منهجية في تأسيس هذه العلوم، وعلينا أن ننهض بمعالجتها والمطالبة بعملية إعادة بناء العلوم هي مطالبة تقتضيها ضرورات منهجية وأسباب علمية، وهو مشروع علمي كبير أرى من المهم جدا أن تتوجه له مراكز البحث بقوة وأن ترعاه وتدعمه.
تقترح أن النموذج الذي تقدّمه لإعادة بناء علوم القرآن يصلح للعلوم التراثية عمومًا، بل لكل العلوم في مختلف المجالات. هل ينبع هذا الطرح من تأملاتك وممارساتك المعرفية؟ أم أنه قائم على نظريات في فلسفة العلوم مثلًا؟
حينما كنت أفكر في نقاش علمية علوم القرآن كان يشغلني جدًا كيفية القيام منهجيًا بهذا النقاش، وطبيعة معيار العلمية الذي سأحاكم هذه العلوم إليه وأحكم عليها في ضوء موقفها منه. طبعا لم يتبلور في تراثنا فضاء علمي لدراسة العلوم ونقاش ما يتصل بها كمعيار العلمية، وغير ذلك، وما هو حاضر عندنا في نقاش العلم يغلب عليه النظر المنطقي الذي لم أجده مفيدًا لي فيما أريد، وبالنسبة لفلسفة العلوم والإبستمولوجيا، فهذا ميدان غربي شهير وبارز، ومن خلال عنايتي بالنظر في معايير العلمية التي أبداها رجاله وأربابه لاحظت أن هذه المعايير يسيطر عليها استلهام واقع العلوم الطبيعية ما يجعل من غير المناسب الاتكاء عليها في النظر للعلوم التي أريد نقاشها، فضلًا عن أن هذه المعايير تختص بالقوانين والنظريات داخل العلوم لا النظر للعلوم من حيث هي ومعايرة علميتها. حاول بعض الكتّاب في السياق العربي تحرير معيار لمسألة العلمية كالدكتور فريد الأنصاري في كتابه المصطلح الأصولي عند الشاطبي، ولكني لم أيضًا أجد ما ذكروه مناسبًا.
وذات الحال فيما يتعلق بتصنيف أنواع العلوم من حيث هي، فلم أجد الحاضر فيها عربيًا وغربيًا يمكن الاتكاء عليه، لهذا قدمت اجتهادًا خاصًا في هذه الأمور في ضوء طول الفكرة في الواجب في شأنها، فكافة العدة الإبستمولوجية التي انطلق منها الكتاب في النظر للعلم وأن موضوع العلم هو العلم، وفي معيار اعتبار العلمية وأنه يتعلق بكلية موضوع العلم، وفي تصنيف أنواع العلوم، أقول هذه العدة ليست نقلًا لنظريات حاضرة في فلسفة العلوم، ولكنها نظر اجتهادي خاص بالكتاب، وقد استلهمته من خلال التأمل في بعض علومنا التراثية لاسيما الساحة الفقهية الأصولية، حيث وجدت في علوم هذه الساحة نسقًا منهجيًا يصلح لضبط النظر في شأن العلوم مع بعض التعديلات التي جاءت من خلال الفكرة في العلوم ومحاولاتي لنقاش وإقامة بعض العلوم القرآنية.
إنني وبعد نشر الكتاب بمدة وجيزة نشرت بحثًا على موقع مركز نماء بعنوان: “تصنيف أنواع العلوم؛ قراءة في المنجز، وتصنيف معياري مقترح”، توسعت فيه في بيان وتفصيل هذه العدة الإبستمولوجية التي ذكرتها في الكتاب وبيان علل وجاهتها منهجيًا، وكذلك ناقشت بتوسع ما يخالفها، فأتيت بتصنيفات العلوم وبينت وجه الخلل فيها ولماذا لم أعتمدها، وكذلك أتيت بمعايير العلمية غربيًا وعربيًا وبينت وجه اعتراضي عليها، وفي النية لاحقًا أن أجعل هذا البحث كملحق للكتاب، بحيث يقف القارئ فيه تفصيلًا على العدة المنهجية التي انطلق منها، وأسباب مخالفته لما هو حاضر وشائع منها في الوسط البحثي.
وإني لأسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الطرح وأن يكون مرتكزا لتأسيس مشروع علمي كبير لإعادة بناء علومنا ومعارفنا وتثوير الفكر الإبستمولوجي حول هذه العلوم، والحمد لله رب العالمين.
يقدم رواية شاملة لكيفية تحول منظومة الفقه الإسلامي من تقاليد جماعية متطورة، إلى مشروع علمي فردي.
يقدم رواية شاملة لكيفية تحول منظومة الفقه الإسلامي من تقاليد جماعية متطورة، إلى مشروع علمي فردي.
وضع ابن خلدون في المقدمة الأسس النظرية والمنهجية لمختلف ميادين المعرفة
