يقدم رواية شاملة لكيفية تحول منظومة الفقه الإسلامي من تقاليد جماعية متطورة، إلى مشروع علمي فردي.
Menu
إن فن الكتابة بالخط العربي من العناصر الأصيلة في الحضارة الإسلامية. يعد كتاب د. بلير “الخط الإسلامي” مرجعًا مذهلًا يستقصي تاريخ الخط الإسلامي من العصور المبكرة إلى يومنا هذا. يقدم الجزء التمهيدي من الكتاب معلومات مفصلة حول اللغة العربية ودور الكتابة في الثقافة الإسلامية إلى جانب أسس الكتابة، وهذا الجزء وإن كان عامًا فقد يفيد من يريد الاطلاع على لمحة تاريخية عن اللغة العربية. كذلك الفصل الثاني خصصته المؤلفة لاستعراض تاريخ ثلاث مواد مهمة كُتبت عليها المخطوطات الإسلامية، وهي البردي والصحائف والأوراق، إلا أنها أسهبت في مناقشة الأوراق نظرًا لأنها غدت الأكثر شيوعًا في العالم الإسلامي. كما تناول هذا القسم أنواعًا خاصة من الأوراق وزخارفها متبوعة بوصف الأقلام وتاريخ صناعتها في العالم الإسلامي.
وبعد هذين الفصلين العامين يتضمن الكتاب أحد عشر فصلًا إضافيًا موزعة على خمسة أجزاء، ترصد التطور الزمني للخط العربي وتقاليد الخط في العالم الإسلامي. تبدأ د. بلير بالعصور الإسلامية المبكرة ثم تنتقل إلى العصور الوسطى حيث تستكشف هيمنة الخطوط المدوّرة، وبعد ذلك تتناول الأنماط الخطية المرتبطة بالسلالات الحاكمة في عصر الإمبراطوريات، وتختتم في الفصل الأخير باستعراض الوجوه المتعددة للخط الإسلامي في العصر الحديث. وإلى جانب ذلك، تُثري كل فصل بالرسوم التوضيحية والأمثلة للخطوط المختلفة، كما تتضمن الحواشي والمراجع منصة مرجعية ثرية للقراءات والنقاشات الإضافية.
ونظرًا لتعدد النظريات حول تطور الخط العربي، يبدأ الجزء الثاني بخلفية تاريخية ثرية عن الخطوط الآرامية والنبطية والسريانية، مع شرح لتطور الأسلوب الخطي في القرون الإسلامية الأولى، كما يحتوي هذا القسم على حواشي ثرية للتوسع في القراءات والمصادر حول هذا الموضوع. لكن كان الأحسن -ولتقليل عدد الفصول- لو ركز الكتاب من البداية على الخط العربي بوصفه تقليدًا في الثقافة الإسلامية، مع إحالة القراء على المصادر التي تغطي الجوانب التاريخية المتعلقة باللغة العربية أو تطور خطها من الناحية اللغوية.
أشارت د. بلير إلى أن الأدلة الأثرية، كالنقوش والشواهد الأثرية والعملات، لها قيمة كبيرة في دراسة تطور الخطوط العربية. فمثلًا النقوش الحجازية لها دور مهم ليس في تتبع تطور الخط فحسب، بل قد يُستفاد منها في تأريخ بعض المخطوطات. أرى أن هذا المجال بحاجة إلى المزيد من البحث بسبب الأوضاع غير المستقرة في الشرق الأوسط.
يولي الكتاب اهتمامًا خاصًا لنص القرآن الكريم ومخطوطاته. فمن المعلوم أن دراسة مخطوطات القرآن المبكرة جانب أساسي في مجال المخطوطات الإسلامية، خاصة وأن معظم هذه المخطوطات غير مؤرخة أو موقعة، كما توجد مئات أجزاء المصاحف المتفرقة حول العالم. كانت هذه المخطوطات تُحفظ في باحات الجامع الأموي الكبير بدمشق حتى نشب هناك حريق كارثي في نهاية القرن التاسع عشر. وحُفظت مجموعة كبيرة أخرى في جامع عمرو بن العاص في الفسطاط، وهي الآن في دار الكتب بالقاهرة. حدد فرانسوا ديروش ما لا يقل عن ثلاثمئة مخطوطة رقية موجودة حاليًا في متاحف الفنون التركية والإسلامية، ولذلك تقدم المؤلفة موجزًا لكيفية إنتاج هذه الأجزاء في العصور الإسلامية الأولى. ورغم تعدد المنهجيات المستخدمة لتحديد موقع وتاريخ المخطوطات الفردية أو تصنيفها على الأقل، تزعم بلير أنه لا توجد طريقة قطعية لتأريخ المخطوطات القرآنية التي كُتبت قبل القرن التاسع، وأنه لا بد من زيادة البحث للوصول إلى منهجية لتأريخها.
تجدر الإشارة إلى أن الكتاب بدءً من هذا القسم يتطرق إلى تفاصيل مجال الخط الإسلامي، فقد كان تطور الخط المدوّر في العصور الوسطى المبكرة علامة فارقة فيما يتعلق بمخطوطات القرآن الكريم. وبعد ذلك تناقش د. بلير تهذيب هذا الخط وتحويله من أسلوب الدواوين الرسمي إلى أسلوب فني يليق بكتابة القرآن الكريم والنصوص العريقة. من التطورات الكبرى التي يذكرها الكتاب أيضًا: الأسلوب العباسي الجديد أو “الأسلوب الجديد” المستمد من الخط الكوفي.
كان ابن البواب صاحب الرائية في الخط والقلم شخصية محورية في توحيد الخط المدور وضبط قواعده. تطرح المؤلفة أسباب تقعيد الخط المدور، غير أنه من اللافت استعمال “تقعيد” في هذا السياق، لأنه من المصطلحات التي جرى استعمالها في سياق دراسة الحديث في التاريخ الإسلامي. وفقًا لد. بلير، توجد ثلاثة أسباب ساهمت في تقعيد الخط المدور: أولًا، استخدامه في الكتابة على الأوراق في الدواوين العباسية بدءً من القرن التاسع. ثانيًا، استهل النسّاخ الجدد في الدواوين تقليد التوقيع على كتابتهم. ثالثًا، كان اعتماد الخط المدور لكتابة المصحف والنصوص العريقة بمثابة انتصار لطبقة الكتّاب والنسّاخ الذين استخدموه مع الورق والحبر الأسود زمنًا طويلًا، وهذه التحولات تعكس التغيرات الاجتماعية والثقافية.
ينتقل الكتاب بانسيابية في الفصول الأخيرة إلى أواخر الفترة الوسطى حيث كانت تطورات الخط العربي الإسلامي مركزة في مناطق جغرافية معينة، ما أدى إلى ظهور أنماط خطية إقليمية. يصطحب الكتاب القارئ في جولة عبر سلالات حاكمة مختلفة، ويعرض سمات مختلف الخطوط وجماليتها، ابتداءً من إيران ونشأة الخطوط الستة. ينتقل الفصل الثاني إلى الحديث عن مصر والشام تحت الحكم المملوكي وظهور أنواع فنية مختلفة خلال هذه الحقبة. وكما أن الخطوط الستة التي تطورت في إيران والعراق قد انتقلت شرقًا وغربًا حتى الصين والهند والأناضول، سرعان ما صارت الأساليب المملوكية أساسًا للتطور في المناطق المجاورة، ولا سيما اليمن ثم الأناضول فيما بعد.
من الجدير بالذكر أن دار الكتب المصرية تضم أكبر مجموعة من مخطوطات الحقبة المملوكية، وكثير منها عليها توثيق بالوقف من السلاطين والأمراء الذين تبرعوا بمخطوطاتهم النفيسة للمؤسسات الخيرية في القاهرة، وقد أجرت هيئة المخطوطات الإسلامية في السنوات الأخيرة مشروع رقمنة وتحليل لهذه المخطوطات. أما مكتبة تشيستر بيتي في دبلين فتضم أكبر مجموعة من المخطوطات المملوكية خارج منطقة الشرق الأوسط. كما تناول الكتاب بالتفصيل أنماطًا ومناطق أخرى كالأناضول والصين والهند.
وفي عصر الإمبراطوريات، أي سنة 1500 وما بعدها، عندما قُسمت الأراضي الإسلامية المركزية بين الإمبراطوريات الثلاثة الكبرى (الصفوية والعثمانية والمغولية)، بينما ازدهرت المنمنمات الفارسية، وتهذبت الخطوط الستة التي تطورت سابقًا في إيران، وتوسع فن الزخرفة والكتابة المصورة؛ كان تقعيد خط النسخ واعتماده لكتابة النصوص هي السمة الأساسية للعثمانيين في الأناضول والبلقان. ومع اقتراب عصر الطباعة من الشرق الأوسط نشأت حركة لاعتماد خط الثلث للعناوين. ورغم تدهور تقاليد الخط العربي عام 1924، فسرعان ما أعيد إحياؤها في أواخر القرن العشرين.
أعتقد أن حجم الكتاب سبب لوقوع بعض الأخطاء المطبعية، لكنها لا تُذكر إذا ما قورنت بالمعلومات الثرية والمراجع النفيسة المقدمة للباحثين والقراء في فن الكتابة بالخط العربي.
يقدم رواية شاملة لكيفية تحول منظومة الفقه الإسلامي من تقاليد جماعية متطورة، إلى مشروع علمي فردي.
يقدم رواية شاملة لكيفية تحول منظومة الفقه الإسلامي من تقاليد جماعية متطورة، إلى مشروع علمي فردي.
وضع ابن خلدون في المقدمة الأسس النظرية والمنهجية لمختلف ميادين المعرفة