يتناول هذا المقال الأساس الفطري للمعرفة العقلية؛ من خلال بيان طبيعة المبادئ العقلية الأولية.
Menu
هذه المقالة خلاصةٌ مركَّزة لمباحث مختارة من كتاب «المعرفة في الإسلام: مصادرها ومجالاتها» للدكتور عبد الله بن محمد القرني، ولا سيما ما يتعلّق بالمبادئ العقلية الأولية، وطبيعة الإدراك الحسّي، والتجريد العقلي للكليّات، والأساس العقلي للاستقراء، ومبدأ السببيّة، وقانون الاطراد.
وقد صيغت هذه الخلاصة في أصلها لطلّاب مرحلة الدكتوراه؛ تيسيرًا لمدارسة الكتاب، وتلخيصًا لأهمّ نتائجه في باب مقوّمات المعرفة العقلية ومجالاتها، مع المحافظة على خطّه العام وروحه التأصيليّة في عرض نظريّة المعرفة من منظورٍ إسلامي، بحيث تتكامل فيها معالجة النصوص الشرعية مع التحليل الفلسفي لمباحث اليقين، والبداهة، والعقل والحس.
يتناول هذا المقال الأساس الفطري للمعرفة العقلية؛ من خلال بيان طبيعة المبادئ العقلية الأولية، وعلاقتها بالغريزة العقلية، ووجه فطريّتها مع عدم تحقّقها بالفعل منذ الولادة، وكونها المعيار الأعلى للاستدلال. كما يعرض موقف الاتّجاه الحسّي من هذه المبادئ ونقدَه، ويتناول طبيعة الإدراك الحسّي ومطابقته للواقع الخارجي في مقابل مذهب الشك، ثم يبيّن كيفية تجريد الكليّات في الذهن، وينتهي إلى تحليل الأساس العقلي للاستقراء، ومبدأ السببيّة، وقانون الاطراد، مبرزًا تمايز الضرورة العقلية عن الاطراد التجريبي، وكيف يتكامل الحسّ والعقل في بناء المعرفة اليقينية.
فطرية المبادئ الأولية، وطبيعتها وعلاقتها بالغريزة العقلية:
فطرية المبادئ الأولية:
تُسمَّى المبادئ العقلية الأولية بأسماء عدّة؛ من ذلك: الأوّليات، والمبادئ العقلية، والمقدّمات الضرورية، والمقتضى المباشر للغريزة العقلية. والمقصود بهذه المبادئ أنها حقائق لا يُستدل عليها ببرهانٍ خارج عنها، بل غاية ما يُفعل معها هو تصوّرها وملاحظة مطابقتها للغريزة العقلية. فهي أساس الاستدلال العقلي وميزانه ومنتهاه؛ إذ لا يمكن أن تمتدّ المعرفة العقلية النظرية في سلسلةٍ لا نهائية من المقدمات النظرية، بل لا بد أن تنتهي إلى مقدمات ضرورية، وإلا لزم التسلسل الممتنع.
وفي المقابل، لا يمكن أن تكون المقدمات النظرية معلومةَ الصدق لذاتها، وإلا صارت من الضروريات، بل لا بد لها من دليل يبيِّن صدقها، وإلا لزم الدور الباطل؛ إذ تصبح صحة المقدّمات النظرية متوقفة على ما تتوقف صحته عليها.
وقد قرَّر شيخ الإسلام أن ضابط القضايا الفطرية أن الإنسان لا يمكنه دفعها عن نفسه، ولا يستطيع معاندتها في باطنه؛ فكل ما لا يطيق العقل إنكاره بعد تصوّره، ولا يقوى على دفعه عن نفسه، فهو من جملة المبادئ الفطرية الأولية.
إشكال تحقّق المبادئ الفطرية في النفس:
هنا يَرِد إشكال: كيف نجمع بين القول بأن هذه المبادئ فطرية، وأنها أساس المعرفة، وبين كونها لا يُستدل عليها، مع أن الواقع يشهد بأن الإنسان لا يولد وهو عالم بهذه الحقائق بالفعل؟
الحقيقة أن هذه المبادئ ليست كامنة في النفس تحقّقًا فعليًّا منذ الولادة، كما ظن بعض الفلاسفة؛ فالواقع والحس، وقبل ذلك نصّ القرآن، يدلان على خلاف هذا. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾، فدلّ على خلوّ الإنسان من المعارف التفصيلية عند خروجه إلى الدنيا. وكذلك التوحيد ومعرفة الله ليستا حاصلتين للإنسان بالفعل منذ ولادته، وإن كان مفطورًا عليهما من حيث الاستعداد والقابلية. وحديث أبي هريرة في الفطرة يُفهم منه أن الفطرة مقتضية للتوحيد مع انتفاء الموانع، لا أن المعرفة التفصيلية بالله حاصلة بالفعل لكل مولود.
وعليه، فالإشكال في حقيقته ناشئ من تصوّرٍ خاطئ لمعنى الفطرية؛ إذ توهَّم بعضهم أن كون المبادئ فطرية يقتضي تحقّقها في النفس بالفعل منذ الطفولة، مع أن الصواب أن وجودها في النفس وجودٌ بالقوة لا بالفعل. فالعقل مفطور على التسليم بهذه المبادئ بمجرد تصوّرها، بحيث لا يحتاج في ذلك إلى برهانٍ زائد، ولا يستطيع إنكارها مع سلامة حواسه وغريزته العقلية. فهي فطرية بهذا المعنى، لا بمعنى أنها معارف حاضرة تفصيليًّا في الذهن منذ اللحظة الأولى.
إذن فالمبادئ الأولية هي المقتضى الفطري للغريزة العقلية؛ متى تصوّر العقل معانيها مع سلامة الحواس واعتدال الفطرة انبعث الإذعان لها ضرورة، دون حاجة إلى استدلالٍ نظري.
مستند صدق المبادئ الأولية:
مستند صدق هذه المبادئ هو مجرد قبولها الفطري، ومطابقتها للغريزة العقلية؛ بحيث لا يكون لصدقها دليل خارج عن هذا التوافق الضروري بين مضمونها وبين ما تقتضيه الغريزة العقلية السليمة. فالعلاقة بين المبادئ الأولية والغريزة العقلية علاقة تلازمٍ من جهة، وعلاقة تطابقٍ من جهة أخرى.
أما التلازم، فمعناه أنه لا يمكن أن تكون الغريزة العقلية متحققة مع سلامة الحواس دون أن تتحقق لوازمها من هذه المبادئ، ولا يمكن أن تُسلَّم المبادئ الأولية في نفس إنسان إلا وكانت غريزته العقلية قائمةً سليمة.
وأما التطابق فلأن الغريزة العقلية نفسها هي مستند صدق هذه المبادئ؛ فحيث شهدت الغريزة العقلية السليمة بامتناع اجتماع النقيضين مثلًا، كانت هذه الشهادة هي عِلَّة اليقين بصدق هذا المبدأ.
أدلة فطرية المبادئ الأولية:
يمكن الاستدلال على فطرية هذه المبادئ بعدة أمور:
أن الإنسان يصدِّق بها تصديقًا مطلقًا، لا يمكنه دفعه عن نفسه بعد تصوّرها.
أنها قضايا تسليمية لا استدلالية؛ فامتناع اجتماع النقيضين، أو امتناع كون الشيء ساكنًا ومتحركًا في آن واحد، لا يحتاج في قبوله إلى برهان.
أنه لا يمكن الشك فيها أو تصوّر نقيضها تصورًا جادًّا؛ فتصوُّر نقيضها ذاته متضمن للتناقض.
أن الناس جميعًا يسلّمون بها دون بحثٍ في أصلها أو استدلالٍ على صحتها، ولا يمكن أن يختلفوا في التصديق بها مع سلامة الفطرة.
وبذلك يتبين أن هذه المبادئ ليست نتاج تجارب جزئية ولا عادات نفسية؛ بل هي من مقتضيات الغريزة العقلية التي لا تنفكّ عن الإنسان السليم الفطرة.
موقف الحسيين من فطرية المبادئ الأولية:
ينكر الحسيون أمرين أساسيين سبق تقريرهما:
الأول: أن العقل – بما فيه من غريزة عقلية – هو مصدر المبادئ الأولية.
الثاني: أن مستند صدق هذه المبادئ هو مطابقتها للغريزة العقلية.
فهم لا ينفون كون هذه المبادئ ضرورية في شعور الإنسان، ولكنهم يخطئون في تفسير منشئها؛ إذ ينسبونها إلى العادة النفسية الناشئة عن التكرار التجريبي، أو يجعلونها مجرد قضايا تحليلية من قبيل تحصيل الحاصل، لا لأنها مقتضى الفطرة العقلية. وعندهم لا يستقل العقل بمعرفةٍ ليست جذورها الأولى حسية؛ فالعقل ليس فاعلًا منشئًا للمعرفة، بل مجرد مسرحٍ للانطباعات الحسية ومنفعلٌ بها.
يستدل الحسيون بأمرين:
أن جميع المعارف ترجع إلى خبرات حسية متراكمة.
أن من حُرم حاسةً من الحواس حُرم ما يترتب عليها من المعارف.
أما الدعوى الأولى، فهي مصادرة في محل النزاع؛ إذ الخلاف قائم مع من يثبت وجود معانٍ عقليةٍ محضة لا تُرد إلى الحس، وعلى رأسها المبادئ الأولية. وإذا كان الكلام عن المبادئ العقلية: هل هي عقلية فطرية أم تجريبية محضة؟ فلا بد من ملاحظة خصيصتين تختص بهما هذه المبادئ: التعميم والضرورة.
فهي أولًا أحكام كلية مطلقة، تعمّ المحسوس وغير المحسوس، الحاضر والغائب. ولو كانت تجريبية لاستمدت كليتها مما هو محسوس فقط، وصارت من قبيل التعميمات الاستقرائية القائمة على تكرار التجربة. وأما الأحكام الكلية المطلقة التي لا تختلف ولا تتخلف، فإن مصدر كليتها ليس الحس، بل هي تعبير عن بنية عقلية فطرية.
وهي ثانيًا أحكام ضرورية؛ إذ العقل يسلّم بها بمجرد تصوّرها، ولا يتوقف قبولها على استقراء ولا تجربة. أمّا الإدراك الحسي فلا يدل إلا على مجرد الإمكان والتتابع، ولا يرقى بذاته إلى مستوى الضرورة. فامتناع اجتماع النقيضين مثلًا ليس نتيجة تكرار المشاهدة، بل حكم عقلي لا ينفكّ عن تصور المعنى.
إذن فالمبادئ العقلية المنطقية تتميز بالتعميم والضرورة معًا، وهذان الوصفان لا يجتمعان في الإدراك الحسي بما هو حسي، بل في العقل بما هو عقل. ومع ذلك، يناقض الحسيون هذا الأصل حين ينفون أن يكون العقل مصدر هذه المبادئ، مع أنهم لا يستطيعون إنكار أن هذه المبادئ هي الأساس الذي تُبنى عليه جميع المعارف، بما فيها المعارف التجريبية التي يحتجون بها.
وقد اختلف الحسيون في تفسير كيفية تحقق هذه المبادئ:
فـهيوم وجون ستيوارت مل يردّانها إلى التكرار والعادة؛ فالعقل يعتاد تتابعًا معيَّنًا بين ظاهرتين، فيتوهم بينهما علاقة ضرورية.
وكوندياك يرى أن العقل في أصله ليس إلا قوة نشأت عن الإحساس، وأن هذه المبادئ في حقيقتها معارف حسية نُسِيَت كيفية تكوّنها مع الزمن؛ فتوهم الناس أنها فطرية.
غير أن هذا البناء يلزمه أن تكون كل معارفنا احتمالية لا يقينية؛ لأن التجربة لا تدل إلا على تتابع الظواهر، لا على علاقةٍ ضرورية كلية بينها. فإذا نُفي الأساس العقلي للضرورة، لم يبق إلا الاحتمال الظني. وقد أقرّ بعضهم بهذا اللازم؛ كجون ستيوارت مل الذي جعل المبادئ الأولية نفسها قضايا احتمالية.
وحاول آخرون – كهربرت سبنسر – التوفيق بين المذهب الحسي وبين القول بيقينية هذه المبادئ، فزعم أن المبادئ في أصلها تجريبية حسية، لكنها تحوّلت إلى ضرورية عبر تراكم التجربة في سلسلة تطور الإنسان؛ فكأن الحاجة العملية والتكيف الحيوي رسَّخاها في الذهن حتى غدت تُدرك كقضايا ضرورية.
وهذا الزعم دعوى بلا برهان، ثم هو متناقض مع بداهة هذه المبادئ؛ فإن البديهي لا يتكوّن تركيبًا تدريجيًّا، ولا يُتصوّر أن يتحول ما ليس بديهيًّا إلى بديهيٍّ بمجرد الطول والتراكم. وعلى فرض صحة مسار التطور الذي افترضوه، فإن الذي يقرّ بضرورتها يسلّم ضمنًا بفطريتها، لكنه يخطئ في بيان كيفية تحققها في النفس؛ وفي هذه الحال يُقال: بطلان الدليل لا يستلزم بطلان المدلول، فلا يصح ردّ حقيقة فطرية المبادئ لمجرد فساد المنهج الذي حاول تفسيرها وفقه.
ومن مفارقات المذهب الحسي أن بعض أعلامه – كجون لوك – لم يستطع إنكار الضرورات العقلية بالكلية؛ فأثبت نوعًا من المعرفة الفطرية سمّاه “الحدس”، وإن كان قد نقد القول بأن الأفكار الفطرية قائمة بالفعل في النفس منذ الطفولة. وصحيح أن القول بفطرية مبادئ المنطق لا يستلزم أن تكون متحققة بالفعل في ذهن الطفل، بل يكفي أن يكون العقل مهيَّأً لقبولها بمجرد تصورها مع سلامة الحواس؛ وهذا هو معنى وجودها بالقوة لا بالفعل، وهو ما ينسجم مع النصوص الشرعية والواقع معًا.
وعليه، يتبين بطلان زعم الحسيين أن مصدر كل معرفة هو الحس وحده، وأن جميع المعارف يمكن ردها إليه؛ إذ الضرورة الكلية إنما مصدرها العقل، وليست التجربة إلا شرطًا لتنبيه الغريزة العقلية على مقتضياتها، لا أصلًا لها.
الإدراك الحسي، ومطابقته للواقع الخارجي، وموقف الشكاك:
تمهيد في طبيعة العقل والحس:
العقل ليس اسمًا لجوهر قائم بنفسه، بل هو صفة من صفات الإنسان، كالعلم والفهم، يعبِّر عن قدرةٍ غريزية على الإدراك والتجريد والاستدلال. ولحصول الإدراك العقلي شرطان متلازمان:
الغريزة العقلية بوصفها قوة فطرية.
وانطباع الحواس بالمعطيات الحسية للواقع الخارجي.
فالمعرفة العقلية النظرية لا تتحقق إلا باجتماع هذين الأمرين: سلامة الحواس التي تنقل المعطيات، وسلامة الغريزة العقلية التي تتصرف في هذه المعطيات بالتجريد والتعميم والاستدلال.
طبيعة الإدراك الحسي:
يتحقق الإدراك الضروري للمعطيات الحسية عبر الإحساس المباشر بالواقع الخارجي؛ فالحواس تنطبع به بلا واسطة، وبمجرد تحقق الموضوع وانتفاء الموانع. وهذا هو معنى كون الإحساس قوة فطرية لا تحتاج إلى استدلال؛ ولهذا كانت المحسوسات داخلة في دائرة “اللا معرَّفات”، لأن تعريفها متوقف على مجرد إدراكها حضورًا.
وهنا يجب التفريق بين نوعين من المعرفة:
معرفة متعلقة بالمدركات الحسية مباشرة.
ومعرفة عقلية استدلالية تتعلق بالمجردات والغيبيات وتُبنى على المبادئ العقلية والكليات.
وقد غفل الحسيون عن هذا التفريق، فاختزلوا المعرفة في نوعها الحسي التجريبي، وأنكروا المعرفة العقلية النظرية أو قللوا من قيمتها، كما أن الشكاك – في الطرف المقابل – أنكروا مطابقة الإدراك الحسي للواقع أو شككوا في إمكان اليقين به.
مطابقة الإدراك الحسي للواقع:
وظيفة الحواس أن تنقل المعطيات الحسية عن الأشياء في الواقع الخارجي إلى العقل، ليؤلف بينها ويحصل له تصورٌ للشيء المدرك. فيمكن أن يقال: الحواس وظيفتها النقل، والعقل، وظيفته التصور والحكم.
وبناء على هذا، يكون الخطأ – عند سلامة الحواس – راجعًا إلى العقل في تصوره أو حكمه، لا إلى الحواس في ذاتها. وإذا وقع خلل في الحواس، فالخطأ حينئذٍ سببه انحراف الحواس عن فطرتها، لا أن الحواس – في أصلها – لا تطابق الواقع. فالشاذ من الأحوال لا يُنقض به الأصل العام، بل إن معرفتنا بالحالات الشاذة نفسها لا تتم إلا على أساس معيارٍ صحيح ندرك به ما هو الطبيعي وما هو المنحرف.
إغفال الشكاك لهذا التفريق جعلهم يعممون القول بخطأ الحواس، ويحكمون باستحالة الجزم بمطابقة الإدراك الحسي للواقع.
والصواب أن يقال:
عند سلامة الحواس واستجماع الشروط، يكون الإدراك الحسي مطابقًا للواقع ضرورة.
وما عدا ذلك من أوهام وخيالات فإما لخلل في الحواس، أو لتغير في الظروف الموضوعية (كالمسافة، وزاوية الرؤية، ونحوها)، لا لأن الحواس في أصلها عاجزة عن مطابقة الواقع.
أساس معرفتنا بالواقع الخارجي:
إذا كانت الحواس قوة فطرية، لزم أمران:
أن يكون إدراك الواقع الخارجي مطابقًا له في الجملة.
وأن يكون هذا الإدراك مباشرًا لا استدلاليًّا؛ إذ لو كان استدلاليًّا لتوقف حصول المعرفة الحسية على قيام استدلال سابق، مع أن الإنسان يدرك أشياء كثيرة بمجرد مواجهته لها، من غير حاجة إلى تفكير مسبق.
الحسيات والمشاهدات إذن من أصول المعارف اليقينية الضرورية، لا من الظنيات التي لا يثبت بها شيء. ومع هذا الوضوح، خالف الشكاك هذه الحقيقة، واستندوا إلى مقدمتين:
الأولى: أن إدراكنا الحسي لا يرتبط بالأشياء في ذاتها، بل هو إدراك لمعطيات مشروطة باتصالها بوعينا؛ فكأن وجود المعطيات لا معنى له إلا كونها مدرَكة، فلا يثبت لها وجود مستقل عن إدراكنا.
الثانية: أنه لا يمكن الاستدلال من مجرد هذه المعطيات الحسية على وجود أشياء لها واقع خارجي مستقل؛ لأن إثبات هذا الواقع يتوقف – عندهم – على استدلال عقلي لا يملكونه.
الخطأ هنا أنهم فصلوا بين الشيء ومعطياته الحسية، وجعلوا وجود الشيء تابعًا لإدراكنا له؛ وهذا يؤدي إلى القول بأن ما لا ندركه لا وجود له، وهو قول يصادم بداهات العقل والفطرة. فالصواب أن الشيء ومعطياته الحسية حقيقتان من جهةٍ واحدة؛ فالمعطيات هي ظهور الشيء لنا على قدر ما تبلغه حواسنا، لا شيئًا آخر مباينًا للشيء في ذاته.
ومن ثمّ، فالإدراك الحسي إدراك مباشر لشيءٍ موجودٍ في الخارج بخصائص معينة، وإن كانت الحقيقة الفيزيائية الدقيقة لهذا الشيء – من حيث جوهره النهائي – أمرًا وراء ما نبلغه بالحواس. فلا تعارض بين التسليم بالحقيقة الفيزيائية التي يكشفها العلم، وبين التسليم بأن ما ندركه بالحواس هو ذاته الشيء الموجود، لا مجرد “وهمٍ” بلا مقابل موضوعي.
الإشكال الذي ينتهي إليه الشكاك – إذا التزموا بأن وجود الأشياء مشروط بإدراكنا لها – أنهم يجعلون وجود العالم تابعًا لوعينا، ثم يقرّون مع ذلك بأن إدراكنا له غير متوقف على إرادتنا، وأن الأشياء تستمر في الوجود حين لا ندركها؛ وهذا تناقض بيِّن. ومحاولة بعض الفلاسفة الخروج منه بجعل الأشياء مدركة بالنسبة إلى الله تعالى دائمًا لا تحل الإشكال، بل تجرّ لوازم باطلة كقول بعضهم بوحدة الوجود، أو القول بأن الله يُوهِمنا بوجود عالم مستقل مع أنه غير موجود في الحقيقة، وكل هذا يناقض ما عليه أهل الإيمان من تنزيه الله عن الكذب والعبث.
ومن هنا يتبيّن أن الطريق السليم هو الإقرار بأن وجود الأشياء في الخارج شرط لإدراكنا لها، لا أن إدراكنا شرط لوجودها؛ فيمكن أن يوجد ما لا ندركه، لكن لا يمكن أن ندرك ما لا وجود له. وهذه حقيقة ضرورية لا تحتاج إلى استدلال، بل هي أساس كل استدلال.
التجريد العقلي للكليات بين الواقعيين والاسميين:
درجات التجريد العقلي:
للعقل خاصية مهمة هي القدرة على التجريد؛ أي انتزاع الصور والمعاني من الجزئيات المحسوسة.
وله في ذلك درجتان:
الدرجة الأولى: تجريد الشيء الجزئي من حيث هو موجود واقعي إلى صورة عقلية مطابقة له؛ كصورةِ شخص معيَّن تظل حاضرة في الذهن بعد غيابه. وهذه الدرجة لا يشك فيها أحد، حتى الشكاك.
الدرجة الثانية: التجريد الكلي، وهو انتزاع المعنى المشترك بين جزئيات متشابهة، فينتهي العقل إلى تصورٍ كلي لا يختص بواحد منها؛ كتصور “الإنسان” بما هو نوع يشمل جميع الأفراد، و“الحركة” بما هي انتقال من مكان إلى آخر، و“المثلث” بما هو سطح أحاطت به ثلاثة خطوط مستقيمة.
التصور الكلي ضروري للعقل كما هو التصور الجزئي؛ فإثبات الجزئيات المتشابهة متوقف على إدراك القدر المشترك بينها، ولا يمكن للعقل أن يعيّن “إنسانًا” بوصفه إنسانًا إلا إذا كان مفهوم “الإنسان” حاضرًا فيه على وجهٍ كلي. وشروط هذا التجريد الكلي ثلاثة: إدراك التشابه بين التصورات الجزئية، وإدراك الفرق بين المختلفات، وأن يتناول القدر المشترك لا ما يختص بكل جزئي في ذاته.
الواقعيون والاسميون:
في بحث الكليات نشأ مذهبان متقابلان:
الواقعيون الذين أثبتوا للكليات وجودًا حقيقيًّا في الخارج.
والاسميون الذين أنكروا وجود المعاني الكلية في الذهن، وجعلوا الأسماء الكلية مجرد ألفاظ لا تدل على معانٍ كليّة حقيقية.
والحق وسط بين الطرفين: إثبات المعنى الكلي في الذهن دون أن يكون له وجودٌ خارجي مستقل. فالكلي لا يوجد في الخارج إلا في ضمن أفراده، لكنّه موجود في الذهن وجودًا معقولًا مفارقًا للجزئيات من حيث الإجمال والعموم.
الاسميون – كما عند باركلي وهيوم ومن تبعهم – ينطلقون من أن التصور لا يكون إلا لشيء متعيِّن، وأن الكلي لا تعيُّن له في الخارج، فاستنتجوا أنه لا يمكن تصوره في العقل. والواقع أن ما قالوه صحيح من حيث إن الكلي لا يوجد في الخارج كشيء مفرد قائم بنفسه، لكن الخطأ أنهم لم يتصوروا إمكان وجوده في الذهن انتزاعًا من تشابه الجزئيات، فخلطوا بين الوجود الخارجي والوجود الذهني.
اعتراضهم أن العقل لا يتصور “إنسانًا مطلقًا” إلا إذا قرنه بصفات معيّنة؛ كأن يتصوره طويلًا أو قصيرًا، أو ذا لون معيَّن، ثم قالوا: إذا كان كذلك، فلا يمكن تصور كليٍّ مطلق. والجواب من وجهين:
أن هناك فرقًا بين الصفات اللازمة للشيء التي لا تنفك عنه – كاللون من حيث هو لون – وبين الصفات العرضية الزائدة – ككونه أبيض أو أسود بعينه. فالتصور الكلي يتعلق بالماهية المشتركة، والصفات العرضية تُضاف إليها ولا تدخل في حقيقتها.
أن تصور الإنسان مع صفةٍ عرضية لا يَنفي أن يكون له معنى كلي، بل إن الحاجة إلى إضافة هذه الصفة دليل على وجود معنى كلي سابق عليها؛ لأن العقل لا يستطيع أن يتصور عرضًا من الأعراض إلا إذا نسبه إلى موضوعٍ معقول من قبل.
هيوم – بناءً على مذهبه الحسي – زعم أن الأفكار ليست إلا صورًا للانطباعات الجزئية، فلا وجود عنده لأفكار كلية. وانتهى في تفسيره لـ“الإنسان” الكلي إلى احتمالين: إما أن يدل الاسم على كل إنسانٍ تصوّره العقل، أو أن يدل على إنسان معيَّن ثم يستدعي معه صورًا أخرى بناء على التشابه. غير أن هذا الاستدعاء والتشابه لا يتصوَّر إلا مع التسليم بوجود قدر مشترك بينها، وهو عين المعنى الكلي الذي أنكره، فحجته تنقض نفسها من داخلها.
أما المناطقة الوضعيون، فقد وافقوا الاسميين في نفي المعاني الكلية، لكنهم جعلوا الاسم الكلي مجرد “رمز” أو “دالة قضية”، وأسسوا ذلك على تحليل لغوي بحت. ومع ذلك يبقَى الإشكال قائمًا: فالكلمة لا يمكن أن تكون مجرد رمز خالٍ من المعنى، بل لا بد أن يكون لها “ما صدق” في الخارج، و“مفهوم” في الذهن، والعلاقة بينهما علاقة ضرورية لا يمكن إلغاؤها بتسمية الكلي “رمزًا” فحسب.
إذن لا مفرّ من التسليم بأن الاسم الكلي يدل على معنى كلي في الذهن يصدق على أفراد متعدّدة في الخارج، وأن محاولة اختزال الكلي في مجرد “فئة” من الأفراد دون الإقرار بمعناه الكلي محاولةٌ لا تستقيم؛ لأن تعريف الفئة نفسها متوقف على هذا القدر المشترك.
الأساس العقلي للاستقراء ومبدأ السببية وقانون الاطراد:
تعريف الاستقراء ومحل النزاع:
الاستقراء هو الانتقال من الحكم على جزئيات معيّنة إلى حكمٍ كلي يشمل جميع أفرادها.
والاتجاهات في فهمه تنقسم إجمالًا إلى:
من يثبت للاستقراء أساسًا عقليًّا، فيجعل نتائجه ضرورية كلية.
من ينفي الأساس العقلي للاستقراء، ويجعل نتائجه احتمالية لا ترقى إلى درجة الضرورة.
والبحث في الاستقراء يستدعي بحثًا في مبدأ السببية من جهتين:
علاقة المسبَّب بالسبب من حيث المفهوم الكلي للسببية.
وعلاقة السبب بالمسبّب في الواقع من حيث الاطراد والتلازم بعد تحقق الشروط وانتفاء الموانع.
مبدأ السببية من حيث هو مبدأ عقلي:
المقصود بالسببية هنا أنه لا يمكن تصور وجود حادث بلا سبب؛ فالحادث ما كان وجوده مسبوقًا بالعدم، فإذا وجد بعد أن لم يكن، استحال أن يكون وجوده:
ذاتيًّا من نفسه؛ وإلا لكان واجب الوجود لا ممكنًا.
أو بلا سبب أصلاً؛ لأن فرض الحدوث بلا سبب يناقض بداهة العقل.
فلا يبقى إلا أن يكون وجوده ناشئًا عن سبب خارج عن ذاته. وهذا الحكم ليس نتيجة استقراء، بل مبدأ عقلي ضروري؛ إذ لا يستطيع العقل أن يتصور الحادث دون أن يتضمّن تصوره – بنحوٍ ما – أن له سببًا. ومن هنا كان مبدأ السببية من المبادئ الأولية التي لا يُستدل عليها إلا من جهة تصورها، ولا يمكن الشك فيها دون الوقوع في التناقض.
هيوم اعترض بأن تصور الحادث لا يتضمن بذاته تصور العلية، وأنه يمكن – في نظره – أن نتخيل حادثًا بلا سبب من غير تناقض. وهذا الاعتراض مبني على خلط بين التضمن المنطقي وبين مجرد التعاقب الذهني. فصحيح أن مفهوم الحدوث من حيث هو لا يشتمل لفظًا على مفهوم العلة، لكن العقل يدرك بالضرورة أن الحادث ممكن، وأن الممكن لا يُعقل وجوده استقلالًا عن سبب يخرجه من حيّز العدم إلى الوجود؛ فالعلاقة هنا علاقة استلزام عقلي، لا مجرد اتحادٍ بين المفهومين في اللفظ.
الكلية العقلية والكلية الاستقرائية:
يجب التمييز بين:
الكلية العقلية لمبدأ السببية من حيث هو قضية عقلية ضرورية تعمّ كل ما له بداية.
والكلية الاستقرائية لقانونٍ علمي جزئي، كقولنا: “الحديد يتمدّد بالحرارة”، وهذه قضية كليتها مبنية على اكتشاف خصائص الحديد بالتجربة وتتبع أحواله.
فالكلية الأولى قبلية عقلية، لا تتوقف على مشاهدة الجزئيات، ولا تحتمل النقيض. أما الثانية فكلية بعدية تجريبية؛ قد يبلغ العقل بها درجة اليقين العلمي عندما يكتشف الأساس الموضوعي لاطراد العلاقة بين السبب والمسبَّب، لكنها من حيث الجنس مختلفة عن الضرورات العقلية المحضة.
جون ستيوارت مل حاول أن يجعل مبدأ السببية نفسه مستمدًّا من الاستقراء، ثم يجعل الاستقراء مبنيًّا عليه، فوقع في الدور؛ حيث جعل الاستقراء أساسًا للسببية، والسببية أساسًا للاستقراء. وحاول الخروج بأن السببية تبدأ ظنّية بحكم الاستقراء، ثم ترقى إلى اليقين، لكن هذا لا يرفع الإشكال؛ لأن نقل قضية من الظن إلى اليقين يتطلب أساسًا يقينيًّا سابقًا، لا هو من جنس الاستقراء الذي لا يُسلَّم بأنه ضروري.
أما المناطقة الوضعيون فقد قرروا أن السببية لا تقوم على الضرورة العقلية، بل هي نوع من “المصادرة” أو “الفرض النافع” الذي لا يمكن الاستغناء عنه في بناء العلم التجريبي، لكنه لا يدل على حقيقة مطلقة. فجعلوا البدهيات والسببية أقرب إلى الافتراضات العملية منها إلى الضرورات العقلية، وهذا في حقيقته رجوع إلى الشك، مع الاعتراف بضرورة عملية للاستقراء في إدارة الحياة والبحث العلمي.
قانون الاطراد وضرورته:
قانون الاطراد – الذي يعني أن السبب إذا وجد مع تحقق شروطه لزم منه وجود المسبَّب، وأن تخلف المسبَّب يستلزم غياب السبب أو بعض شروطه – هو ثمرة الاستقراء.
والإشكال في نظر كثيرين: كيف يكون الحكم بالاطراد ضروريًّا مع أنه ناشئ من تجربة بعدية؟
الحل أن نفرّق بين نوعين من الضرورة:
ضرورة عقلية قبلية، لا تحتمل النقيض بحال، كامتناع اجتماع النقيضين، ومبدأ السببية في أصل معناه.
وضرورة تجريبية بعدية، تقوم على اكتشاف خصائص الأشياء المؤثرة في الكون، ثم يحكم العقل بأن هذه الخصائص إذا تحققت لزم عنها أثرها، وأن تخلف الأثر لا يكون إلا لفقد شرط أو وجود مانع.
فالاطراد ليس قضية قبلية، ولكنه – بعد ثبوت خصائص الأشياء بالتجربة المتكررة المقترنة بالفهم العقلي – يصبح ضروريًّا من جهة أن العقل يحكم باستحالة تخلف الأثر عن السبب مع ثبات جميع الشروط. هذه الضرورة التجريبية محكومة في النهاية بضرورات عقلية أعلى (كاستحالة اجتماع النقيضين، ومبدأ السببية)، لكنها تختلف عنها من حيث كونها بعدية، وأن النقيض كان متصورًا قبل التجربة، ثم حُكم باستحالته في ضوء ما كُشف من خصائص الأشياء وعلاقاتها.
بهذا التصور يظل الاستقراء قائمًا على أساس عقلي؛ لأن مبدأ السببية، وقواعد التلازم بين الشروط والمشروطات، لا تستمد صحتها من الاستقراء، بل من العقل نفسه، والتجربة إنما تكشف عن موارد تطبيق هذه المبادئ في الواقع، لا أنها تنشئها من العدم.
تكامل الحس والعقل في تأسيس المعرفة اليقينية:
تبيّن من هذا العرض أن مباحث المبادئ العقلية الأولية، والإدراك الحسي، والتجريد العقلي، والاستقراء والسببية، تتساند جميعًا في رسم صورة متكاملة للمعرفة الإنسانية؛ حيث لا يمكن اختزال المعرفة في الحس وحده كما تفعل النزعة التجريبية، ولا تعليقها في فراغٍ عقليٍّ مجرد لا صلة له بالواقع.
فالمبادئ الأولية الفطرية تمنح العقل معايير الضرورة والكليّة التي يُصحِّح بها معطيات الحس وينقد بها التعميمات الاستقرائية، في حين يمدّ الحس العقلَ بالمواد الأولية التي يمارس عليها وظيفته في التجريد والتعميم والاستدلال، فتلتقي الفطرة والحس والعقل في بناء يقينٍ معرفيٍّ راسخ.
ويأتي كتاب «المعرفة في الإسلام للدكتور عبد الله القرني» في مقدمة الكتب المعاصرة التي أبرزت هذا التكامل في إطارٍ إسلامي أصيل؛ إذ جمع بين التحليل الفلسفي الدقيق لمباحث نظرية المعرفة وقواعدها العقلية، وبين استحضار المعطيات النصية والكلامية التي رسختها التجربة العلمية الإسلامية عبر قرون.
والمذكرة التي بين يدي القارئ ليست إلا خلاصة مركَّزة لأهم مباحث هذا الكتاب في جانب الأساس الفطري للمعرفة العقلية، صيغت بصورة تناسب طلاب الدراسات العليا، وقد نُشرت بين طلاب الدكتوراه في تلك المرحلة لتيسير مدارسة هذه القضايا العميقة وربطها بالإطار القرآني والسنّي الذي يجعل المعرفة عبادةً وقربةً، لا مجرد تمرينٍ ذهنيٍّ مجرّد.
وهذه الصفحات إنما هي تقطيعٌ وتعريبٌ مختصر لبعض أهم مباحث كتاب «المعرفة في الإسلام»، ثم نُشِر في هذه الصورة ليفيد كل مشتغل بمباحث نظرية المعرفة في الإطار الإسلامي.
يتناول هذا المقال الأساس الفطري للمعرفة العقلية؛ من خلال بيان طبيعة المبادئ العقلية الأولية.
يقدم رواية شاملة لكيفية تحول منظومة الفقه الإسلامي من تقاليد جماعية متطورة، إلى مشروع علمي فردي.
يقدم رواية شاملة لكيفية تحول منظومة الفقه الإسلامي من تقاليد جماعية متطورة، إلى مشروع علمي فردي.