يقدم رواية شاملة لكيفية تحول منظومة الفقه الإسلامي من تقاليد جماعية متطورة، إلى مشروع علمي فردي.
Menu
كنت جالسًا قبل خمسة وعشرين سنة في مكتب الدكتور أحمد خليفة محمد علي مدير قسم المخطوطات بمكتبة جامعة الأزهر، كان الغرض من زيارتي الاطلاع على مخطوطة مكثت أعمل عليها 4 سنوات دون أن أراها مباشرة، وكنت أحاول أن أفسر للدكتور أحمد عدم كفاية الاطلاع على نسخة مصورة على شريط ميكروفلم. عرضت عليه أوراقي الاعتمادية، ومن بينها خطاب من لجنة فولبرايت، فقال لي: “لا أقرأ الإنجليزية”. فرددت عليه: “يسرني أن أطلب ترجمتها لك”. فقال” “لا، بل ترجمها لي الآن”.
أعطاني قلمًا وورقة، وبذلت مُخلصًا ما في وسعي لأترجم بدقة -دون الاستعانة بمعجم أو هاتف ذكي- اللغة الإنجليزية الرسمية التي كتب بها الخطاب. ولمّا انتهيتُ قلّب النظر فيها ثم شرع هو وصديقه في الاستفسار حول معتقداتي الدينية. أعترف أني استمتعت بحديثنا الواسع والذي تضمن نقاشًا مفصلًا لآراء المسيحية حول الثالوث، لكن بعد بضع ساعات سألت عن المخطوطة، فأجاب “بكرة إن شاء الله” فغادرت وفي نفسي قلق بشأن ما سألقاه في الغد.
في مقالاتي التي دُعيت لكتابتها هذا الشهر سأعيد النظر في المخطوطات الأربعة من المذهب المالكي التي درستها في السابق، فمع تطور عملي البحثي بات تصوري لما تعنيه المخطوطات مغايرًا إلى حد ما لما كان عليه قبل خمسة وثلاثين سنة حينما بدأت بحث الدكتوراة، أو بتعبير أدق، لدي الآن طريقة أفضل لتفسير المعنى العلمي لحس الإعجاب والدهشة الذي خالجني في أواخر الثمانينات عندما عاينت أولى المخطوطات العربية.
لقد قادني تدريبي إلى رؤية المخطوطات أوعيةً للنصوص في المقام الأول، ووسيلة لإضافة التعقيد على التاريخ المبسط للشريعة الإسلامية المقدم في الكتب التمهيدية. وهذه النظرة ليست خاطئة! فالمذهب المالكي على وجه الخصوص قد أُثري بفضل النصوص الجديدة التي ظهرت، ولكثير منها شواهد فريدة في مجموعة مخطوطات القيروان. تمنحنا هذه المخطوطات فهمًا أفضل بكثير للوسط الفكري الذي كان يكتب فيه مالك بن أنس (ت: 179هـ/795م) والشافعي (ت: 204هـ/820م) وغيرهما، والأهم من ذلك تعامل تلامذتهم مع نصوصهم وأفكارهم.
إلا أن المخطوطات تحمل معلومات تتجاوز مجرد النص، على سبيل المثال، لما وصلت مكتبة جامعة الأزهر لأرى مخطوطة الفقه المالكي رقم 1655، المعروفة باسم كتاب شرح ابن عبد الحكم الكبير لأبي بكر الأبهري (ت: 375هـ/985م)، كنت ملمًا بالنص إلمامًا جيدًا، فقد اطلعت على هذه المخطوطة أول مرة عام 1993م، عندما أعارني ميكلوس موراني نسخته المصورة لأستعين بها في بحث أطروحتي، وبناءً على هذه المخطوطة مع مخطوطات أخرى، أعددت تحقيقًا وترجمة لفصلين، بالإضافة إلى دراسة للنص بأكمله.
كانت نُسخ موراني المصورة استنساخًا سيء الجودة من ميكروفلم قديم، لكن الورق الفعلي كانت حديثًا بالطبع وجميع الصفحات موحَّدة حجمًا ولونًا وجودة ومجمعة بعناية في أحد تلك المجلدات الألمانية الكبيرة، وهذا نتاج التكنولوجيا الحديثة والكفاءة. لكن معرفة النص ليست كمعرفة المخطوطة. عندما رجعت إلى مكتب الدكتور أحمد في الحادي عشر من مارس عام 2000م، كانت مخطوطة الأزهر أمامي عليها آثار الزمن وكثرة الاستخدام وإساءة الاستعمال.
ولمّا انفردت مع المخطوطة في مكتبه وجدتها أصغر مما توقعت (22 × 18 سم). لقد خُدعت بالحجم القياسي لورق النسخة المصورة A4 (29.7 × 20 سم). كما لاحظت فوضوية حالتها، فهي محفوظة في ملف أحمر قديم عليه آثار التلف الذي خلّفته الحشرات، والمخطوطة نفسها كانت بداخل غلاف قديم ومتضررة بشدة بسبب الحشرات والتعفن. ما زالت بقايا تجليد جلدي عتيق موجودة على كعب أحد الأجزاء، وهذه ربما إحدى المحاولات العديدة التي بذلت لحفظ هذا الأثر.
من بين ما يزيد على 400 صفحة بدا أن هناك سبعة أجزاء متميزة تتخللها أوراق متناثرة كثيرة، وفي موضعين على الأقل سقطت صفحات وأُعيدت إلى النص دون ترتيب. يوجد جدل حول ما إذا كانت المخطوطات القديمة ينبغي ترتيبها أم تُترك على حالها، نظرًا لأن عدم الترتيب نفسه يمثل معلومة دالة على كيفية استخدامها، وقد آثرت تركها كما هي. كان الورق عتيقًا لكنه عالي الجودة (وإن تخلله ورق أسمك في بعض المواضع). بدت حواف الصفحات مقطوعة لإزالة آثار الاهتراء، لكن هذا أدى إلى إزالة بعض التعليقات الهامشية أيضًا، بينما دُفن بعض آخر تحت قصاصات الورق المُلصَقة بهدف تقوية المخطوطة. كل هذه التفاصيل، التي لم تظهر إلا بالفحص المباشر، شاهدة على عمر المخطوطة واستخدامها على مر السنين.
كما أن تاريخ الاستخدام هذا مقروء في الملاحظات المحيطة بالنص. على سبيل المثال، تشير ملاحظتان إلى احتمالية كتابة المخطوطة عام 405 هـ. أي قبل قرنين من التاريخ المثبت في الفهرس 604 هـ. تبيّن لي أن الملاحظات المحيطة بالنص من أهم جوانب المخطوطة، فتلك التعليقات التي يدونها الطلاب والمؤلفون والمالكون وغيرهم من المستخدمين تكشف عن مكانة هذه النصوص في المجتمع الذي أنتجها وحفظها. من بين عشرات هذه الملاحظات في المخطوطة توجد اثنتان في هامش الورقة328 أ، قبل عنوان كتاب النكاح وبعده مباشرة، تفيدنا بأن أحمد بن محمد بن عقبة الأندلسي قد جمع هذه المخطوطة ونقحها في غرة شعبان عام 405 هـ. (30 يناير 1015 م).
لا ترتبط أهمية المخطوطة بقدم عهدها بالضرورة، لكن في هذه الحالة تاريخ 405 هـ/1015 م. يعني أن هذه المخطوطة قوبلت بالنسخة التي كتبها الأبهري أو بنسخة كتبت تحت إشرافه، نظرًا لأن وفاته كانت قبل أربعين عامًا من هذا التاريخ، وهذا سيجعل منها أقدم مخطوطة فقهية في مجموعة الأزهر حتى الآن، وواحدة من أقدم الأمثلة المؤرخة للورق المستخدم في الكتابة في مصر، حيث لم يبدأ تراجع استخدام ورق البردي إلا في منتصف القرن الرابع الهجري. ومع ذلك، يُستبعد أن تكون هذه المخطوطة أنتجت في مصر، ليس بسبب جودة الأوراق فحسب، لكن عام 405 هـ كان في أوج قوة الدولة الفاطمية، وتحديدًا في عهد الحاكم بأمر الله (حكم 386-411هـ/996-1021م). وهذه من الملحوظات المحيطة بالنص المفيدة في هذا الصدد.
يوجد على صفحة عنوان كل جزء من الأجزاء الأربعة إشارة بالوقف بتاريخ 604 هـ/ 1207-1208م، وهذا على ما يبدو مصدر تاريخ المخطوطة المثبت في الفهرس. تنص الإشارة على أن الفقير يحيى بن الحسين بن محمد بن منصور بن محمد بن معصوم العصيمي قد أوقف هذه المخطوطة على مكتبة المدرسة (خزانة الكتب)، المعروفة بالمالكية في محيط جامع عمرو بن العاص (المسجد العتيق) في القاهرة، وبالتالي فلا يجوز ببيعها أو نقلها من مكانها.
إلا أنها نُقلت بالطبع بما أنها الآن في مكتبة الأزهر، لكن تاريخها صار أوضح. يتمثل أحد الاحتمالات في أنها كُتبت في العراق حيث كان نشاط الأبهري وفي دائرة تلاميذه، وبقيت على مدى مئتي عام متداولة بين الأفراد في مجتمع المالكية الصغير الذي ظل ناشطًا في بغداد، وبحلول عام 604هـ / 1207-1208م نُقلت إلى القاهرة. أما الوقف على المدرسة المالكية بالقرب من جامع عمرو بن العاص عام 604هـ / 1207-1208م تحت حكم الملك العادل الأيوبي فيوحي بأن هذه المخطوطة قد تكون جزءً من برنامج أيوبي صريح لتأسيس المكتبات والمدارس للمذاهب الفقهية السنية الأربعة في القاهرة.
كيف وصلت هذه المخطوطة إلى مكتبة جامعة الأزهر؟ لست أدري، لكنها على الأرجح نتيجة حركة حديثة لجمع المخطوطات القديمة وتوحيدها.
يقدم رواية شاملة لكيفية تحول منظومة الفقه الإسلامي من تقاليد جماعية متطورة، إلى مشروع علمي فردي.
يقدم رواية شاملة لكيفية تحول منظومة الفقه الإسلامي من تقاليد جماعية متطورة، إلى مشروع علمي فردي.
وضع ابن خلدون في المقدمة الأسس النظرية والمنهجية لمختلف ميادين المعرفة