...

المحصل

علم أصول الفقه في سياقه الفكري والاجتماعي: مراجعة لكتاب قانون الفقه الإسلامي لأحمد الشمسي

ديفيد ر. فيشانوف

ترجمة: يارا عمار

قدم لنا أحمد الشمسي في سلسلة مقالات وأطروحة نُشرت عام 2009 صورةً رائدة لتطور الفقه الشافعي في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي. لكن هذا الكتاب [قانون الفقه الإسلامي: نظرية الشافعي في سياقها الفكري والاجتماعي] أثرى من ذلك بكثير، حيث يقدم رواية شاملة لكيفية تحول منظومة الفقه الإسلامي من تقاليد جماعية متطورة قائمة على تذكر الإرث النبوي والاقتداء به، إلى مشروع علمي فردي يمتاز بالوضوح والمنهجية ويرتكز على تفسير مدونة من النصوص النبوية الثابتة.

يُظهر الفصلان الأول والثاني أن الفقهاء الأوائل: مالك (ت: 179هـ/ 796م) والشيباني (ت: 189ه/ 804م) وابن علية (ت: 218ه/ 834م) كانوا يتفقون على أيديولوجية مشتركة: وهي أن السلطة الفقهية تقع بيد جماعة من العلماء، وأن أحكامهم تستمد شرعيتها من تمثيلهم للذاكرة الجماعية لماضٍ مقدس. أما نظرية الشافعي الفقهية، المعروضة في الفصل الثالث، فتُرجع السلطة الفردية للفقيه إلى قدرته على إثبات صحة آرائه الفقهية من خلال تحليل مجموعة من النصوص (القرآن الكريم والحديث النبوي) تحليلًا منهجيًا ومنضبطًا بقواعد محددة وقابلًا للتكرار والتفنيد. يجادل الفصل الرابع بأن هذه الأيديولوجية الجديدة قد سادت لأنها عالجت أزمة اجتماعية: وهي أن النخبة العربية القديمة التي ادعت الصلة النسبية بالماضي النبوي في مختلف المناطق كانت تفقد مكانتها مع زيادة نفوذ الأعاجم وتدخل الدولة العباسية في الشؤون المحلية. ولمّا تراجع الاعتبار بالتقاليد المحلية الحية، بات من الضروري أن يوضع أساس جديد للسلطة المعيارية، بحيث يربط بين الحاضر والماضي النبوي بموضوعية وشفافية. وقد لبّى المنهج النصي للشافعي هذه الحاجة، واكتسب موطئ قدم في مصر بفضل الرعاية التي حظي بها مدة وجيزة في ظل الدولة الطولونية (الفصل الخامس). تجسد فكر الشافعي في وسيلة جديدة، وهي الكتاب المصنَّف (الفصل السادس)، مما مكّن أصحابه من تمحيصه وإعادة النظر فيه (الفصل السابع)، وسرعان ما انتشر بين علماء مذاهب الفقه السني، بل والتخصصات الأخرى (الفصل الثامن)، حتى غدا مفهومه للفقه النبوي المستمد من الوحي عبر التفسير المضبوط بالقواعد أمرًا مسلمًا به في عصرنا هذا.

IMG_7401

ربما أخطأ الشمسي حين وسّع تاريخ المذهب الشافعي في مراحله الأولى حتى صار سردًا دراميًا يشمل جميع المذاهب الفقهية السنية (7). الأدلة المذكورة في الكتاب لا تبرر هذا التوسع، فالكتاب لا يقدم سوى إضافات ضئيلة على أطروحته، ويعتمد بشدة على المصادر الشافعية وبعض الروايات التاريخية المصرية التي لا تكاد تكفي لجعله “تاريخًا اجتماعيًا” لمصر في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، فضلًا عن العالم الإسلامي بأسره. كما أن المواقف التي ينسبها الشمسي للأفراد والجماعات تُستنبط أحيانًا من أدلة قليلة أو لا تستند إلى أي دليل على الإطلاق، بينما لم يتطرق إلى كثير من الأدلة ذات الصلة. على سبيل المثال، الموضوع الرئيسي للفصل الأول هو مصنف مالك الجامع “الموطأ”، ومع ذلك لم يستشهد به فيه سوى مرتين. أما الشيباني وابن علية، اللذان يضيف الكتاب مادة وافرة عنهما، لم يُذكرا سوى من منظور كتاب الشافعي “الأم” الذي يسجل مناظرات مع محاورين لم تُذكر أسماؤهم، ويعرفهم الشمسي بأنهم هاتين الشخصيتين (وهو استنتاج محتمل وليس قطعي). وهنا يتساءل المرء إن كانت القراءة المتأنية لموطأ مالك أو غيره من المصادر غير الشافعية قد تشكك في تفسير الشمسي لهتين الشخصيتين (وجميع الفقهاء الأوائل ضمنيًا) بوصفهما دعاة لأيديولوجية التقليد الجماعي. على سبيل المثال، يظهر ابن علية في كتاب الأم كأنه بنى الفقه على الإجماع، بينما تشير أدلة أخرى إلى أنه -شأنه شأن النظام (ت: 221هـ/836م)- ساوى بين الدليل والإجماع بمعنى أنه أصر على إيجاد أدلة يقينية يتفق عليها الجميع، وهكذا ينضم إلى العقلانيين الذين يردون الروايات المنقولة بأسانيد آحاد. وعلى غرار المحدثين والنصّيون الأوائل، بمن فيهم الخوارج (الذين يتجاهلهم الشمسي)، كان ابن علية معارضًا لسلطة التقليد العلمي كالشافعي، وكذلك كان متمسكًا بالنص مثله تمامًا، وإن كان يعتمد على مدونة أصغر من النصوص. إن الدراسة المتأنية للمؤلفات غير الشافعية ستكشف بلا ريب أن تقديم الشافعي للأيديولوجية النصية لم تكن ابتكارًا مستحدثًا أو دراميًا كما صوّره الشمسي.

إلا أنه على سياق أوسع ربما لا يكون قرار الشمسي بإعادة تأطير تاريخ الشافعية على أنه تاريخ للفقه السني خطأً على الإطلاق. إن روايته الموسعة مقنعة وتتوافق مع العديد من الاتجاهات العلمية الحديثة: تجديد التأكيد على التأثير المحوري للشافعي، وتنامي الاعتراف بسرعة انتشار أفكار الشافعي، تزايد الثقة في المؤلفات المتأخرة بصفتها مصادر تاريخية. ومع أنه يميل إلى الاعتماد بشدة على مصادر تمجيدية أو ذات طابع جدلي أو مقتصرة على الشافعي، إلا أن توظيفه لكتاب الأم للشافعي يعد رائدًا ويفتح آفاقًا جديدة. (توظيفه لمصنفات شافعية مبكرة أخرى، مثل مؤلفات المزني والبويطي، ليست على نفس المستوى، والأدلة التي طرحها عام 2007 لصحة نسبة كتابات البويطي إليه واهية). علاوة على ذلك، يستمد الفصل الثامن من مصادر غير شافعية ليضيف ستة أمثلة جديدة -لم تذكر في الأطروحة- لشخصيات كانت تتفق مع جوانب من أيديولوجية الشافعي الفقهية ومنهجه في التأويل خلال القرنين الثالث الهجري/التاسع الميلادي والرابع الهجري/العاشر الميلادي. أكثر ما يلفت النظر أن الشمسي يصوغ استنتاجاته في مصطلحات اجتماعية واسعة (الذاكرة الثقافية، الشفهية والتدوين، مؤسسات الدولة) ويقدمها في صياغة نثرية بليغة وواضحة وخالية من الأخطاء تقريبًا. لكن سرديته الجامعة حول كيفية وسبب بدء الشافعي التحول النصي للفقه الإسلامي تظل فرضية، ولا يمكن اعتبارها حجة صالحة خارج نطاق تاريخ أتباع الشافعي عبر القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي. إلا أنها فرضية مقنعة وأتوقع أن تصير منطلقًا لأعمال بحثية أكثر دقة واعتدالًا تُعنى بمصادر من أقاليم ومذاهب وتخصصات أخرى.

تنبيه أخير: تحول الأيديولوجية الذي يتحدث عنه الشمسي من التقليد الجماعي إلى النصية ليس إلا تحول في الأساس المتصوَّر للمرجعية المعيارية. فمن منظور من يتبني تلك الأيديولوجية، علاقة التبعية بين الأحكام الفقهية والنصوص المقدسة التي أسسها الشافعي والفقهاء اللاحقون حقيقية بلا ريب: فبمجرد تأويل نص ما ليدعم حكمًا فقهيًا، يصير النص أساس الحكم، ويُعزى وجوده وشرعيته إليه. ومع ذلك توجد تأويلات أخرى محتملة للحكم. يمكن تفسير الفقه الإسلامي (وقد فُسر كذلك) على أنه نتاج جميع أنواع العوامل الاجتماعية والفكرية، مع أن الفقهاء (والشمسي) يصورونه على أنه نتاج استدلال تفسيري علمي منهجي قابل للتكرار والتفنيد قائم على الأدلة النصية. يخلط كتاب الشمسي بين الأيديولوجيا والمنهج البنائي. فبعد أن أشار إلى أن أدوات الشافعي التأويلية كانت مبتكرة، لم يولِ عناية تُذكر لاستكشاف طبيعتها أو وظيفتها، ويبدو أنه يرى أنها تملي نتائج التفسير –ليس عصمةً لكن بصورة قاطعة– لدرجة أن الفقه الإسلامي على مدار القرن الثالث تحول إلى شريعة مستمدة من النصوص ليس نظريًا فحسب، بل في الجوهر والمنهج أيضًا. أظن أن هذه هي القضية الأساسية وراء انتقاده عام 2014 لكتابي الصادر عام 2011. إن التهم التي وجهها الشمسي إليّ من الاستخفاف بالحديث أو ازدراء الشافعي أو الحماسة للمنهج الظاهري (الذي أعده وهمًا تأويليًا) لا تمثلني. غير أني أقر بأننا نختلف في هذا السؤال: هل تبني أيديولوجية نصية يجعل مضمون المذهب الفقهي تابعًا للنص المعتمد؟ كتاب الشمسي مبالغ فيه بوجه عام، لكنه ثاقب وبليغ يُثري هذا النقاش ضمنيًا.

 

المزيد من المقالات

  • All Posts
Seraphinite AcceleratorOptimized by Seraphinite Accelerator
Turns on site high speed to be attractive for people and search engines.