يقدم رواية شاملة لكيفية تحول منظومة الفقه الإسلامي من تقاليد جماعية متطورة، إلى مشروع علمي فردي.
Menu
وُلد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي الإشبيلي، المعروف بابن خلدون، في تونس عام 1332م لأسرة عربية مرموقة من بني خلدون تعود جذورها إلى حضرموت. حظي ابن خلدون بالتعلم على يد أفضل المعلمين في المنطقة بفضل مكانة أسرته الرفيعة. وبعدما أتم ما يتعلمه أهل عصره في العلوم التقليدية، تقلّد مناصب عليا في بلاط سلاطين شمال إفريقيا وإسبانيا. ولمّا بلغ العشرين -في ظل الاضطرابات الحاصل بين الأسر الحاكمة وداخلها- بدأ حياته العملية بشغل منصب كاتب السر لدى السلطان الحفصي في تونس، لكن سرعان ما انتقل إلى العمل لدى منافسه المريني. أقام ابن خلدون في فاس ما يقرب من عشر سنوات حيث كان يتولى التفاوض مع القبائل البدوية في شمال إفريقيا نيابة عن المرينيين. وقد كان يستمتع بالدسائس والمؤامرات التي تُحاك بين أفراد الأسرة المرينية الذين كانوا في صراع دائم على السلطة. قضى ابن خلدون عامين في السجن (1357- 1359) بسبب تآمره مع أمير حفصي حاول أن يستعيد الحكم، ولم يُطلق سراحه إلا بعد وفاة السلطان المريني أبي عنان، حيث عينه السلطان الجديد أبو سالم في مناصب عليا من بينها خطة المظالم. وفي عام 1361م، قُتل السلطان وسُمح لابن خلدون بالخروج من فاس بأمان بشرط أن يغادر شمال إفريقيا نهائيًا.[1]
استقبل السلطان محمد الخامس (حكم من 1354م-1359م و1362م-1391م) ابن خلدون بحفاوة في بلاطه النصري في غرناطة. وفي أثناء إقامته بغرناطة أُسند إليه واجبات متعددة، منها أنه كان سفيرًا إلى بيدرو القاسي في إشبيلية عام 1346م. إلا أنه سرعان ما غادر غرناطة بسبب خلافات غامضة بينه وبين الوزير ابن الخطيب ذي النفوذ، فعاد إلى بجاية وعُين حاجبًا للأمير الحفصي أبي عبد الله الذي قتله الثوار بعد مرور عام. وعلى مدى الأعوام التسعة التالية جاب ابن خلدون وسط وغرب شمال إفريقيا وعمل على توطيد علاقاته مع البدو. وهنا أدرك الاختلافات الأساسية بين حياة الترحال وحياة الاستقرار، وبين المناطق الريفية والمدن. ثم ضرب عزلة على نفسه في قلعة بربرية، حيث ألّف المقدمة (تمت في نوفمبر 1337م) وأجزاء من كتاب العبر.
وفي عام 1383م، رحل ابن خلدون من تونس وقصد مصر سعيًا إلى حياة أهدأ يتفرغ فيا للتدريس والتأليف. وفي عام 1384م، عُين قاضي قضاة المالكية، لكن ذُكر أنه كان قاضيًا صارمًا، الأمر الذي أثار العديد من النزعات والصدامات والمؤامرات، بالإضافة إلى إقالته عدة مرات. توفي ابن خلدون في القاهرة عام 1406م.
علم العمران: وضع ابن خلدون في المقدمة الأسس النظرية والمنهجية لمختلف ميادين المعرفة، وفي مقدمتها علم العمران. كان اهتمامه منصبًا على صعود مختلف الدول الإسلامية في شمال إفريقيا وسقوطها. وقد قدّم تفسيره البسيط والعميق لمفهوم “العمران” بتركيزه على ما رآه اختلافات جوهرية في البنية الاجتماعية بين المجتمعات البدوية (العمران البدوي) والمجتمعات الحضرية (العمران الحضري). استخدم ابن خلدون مصطلح العمران للإشارة إلى أي تجمع بشري يتجاوز حد الكفاف، وقسمه إلى نوعين: العمران البدوي وهو القائم على الضروريات، والعمران الحضري الذي ينشأ عن إنتاج الكماليات. اعتقد ابن خلدون أن زيادة الأمن والحرية يزج بالناس إلى التنافس والأنشطة المرتبطة بالنمو والإنتاج الاقتصادي، ما يؤدي إلى نمو العمران وازدهاره، فتُجدَّد المدن القديمة وتشيَّد أخرى جديدة. وبناءً على ذلك، تصور أن العمران ثمرة التقدم المادي والنمو الاقتصادي، فهي عملية تدريجية مستمرة يحققها البشر بصورة طبيعية من خلال التعاون والسعي. وكلما اتسع نطاق التعاون وزاد عدد البشر المساهمين فيه، نشأ عمران أوسع وأعظم.[2]
يرى ابن خلدون أن نشأة العمران تبدأ بـ “العصبية”، وأن الجماعات ذات العصبية القوية تتمكن من إقامة حكمها على الجماعات ذات العصبية الضعيفة. وفي الوقت ذاته، لا بد أن توجَّه العصبية بالشريعة حتى يكون العمران راسخًا. افترض ابن خلدون أن الدين يمد العصبية بقوة إضافية ويجمع الناس تحت لواء قيادة واحدة.[3] وعليه خلص إلى أن نشأة العمران هي ثمرة التناغم بين العقل والدين.
إن العمران في فكر ابن خلدون في حالة تغير دائمة، حيث يتحول من طور بدائي إلى حالة متقدمة أو في تطور دوري، فقد رأى أن كل قبيلة تمر بدورة تبدأ بالترحال وتنتهي بالحياة الحضرية المستقرة، ثم تتكرر الدورة. وبمجرد قيام الدولة فإنها تسير -كالكائن الحي- وفق قانون طبيعي لا مفر منه من النمو والنضج والاضمحلال. وفقًا لابن خلدون، تكون كل مرحلة متقدمة ثقافيًا أكثر من سابقتها، لكنها أضعف سياسيًا من حيث سلطة الدولة وقوتها. كما أشار إلى أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر، فقد اتصف البدو بالشجاعة والإقدام والحرية والأخلاق الحميدة والتدين. بينما تجسد المدينة المرحلة الأخيرة من حياة الدولة وعمرانها، ورأى ابن خلدون أن سكانها كانوا يميلون إلى الخداع، وعجزوا عن صون الوحدة والتضامن، وبسبب حياتهم المستقرة أدمنوا على الترف والدعة.
[1] Aziz Al-Azmeh, Ibn Khaldثn: An Essay in Reinterpretation (London: Frank Cass & Company Ltd., 1982), 2-
[2] Elmira Akhmetova, “Defining Civilisation and Religion,” IAIS Journal of Civilisation Studies, vol.1, no.1
(October 2008), 47-48.
[3] Ibn Khaldثn, The Muqaddimah: An Introduction to History, transl. Franz Rosenthal (Princeton: Princeton
University Press, 1980, 2nd ed.), 1:320.
النقد التاريخي: علم التاريخ ميدان آخر قدّم فيه ابن خلدون مساهمة عظيمة، فقد وُفق في المقدمة في توسيع نطاق التاريخ المتوارث، ومنح الأولوية لدراسة الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للماضي البشري بأسره، ووضع نظام للنقد التاريخي السليم والتقييم العقلاني للروايات التاريخية.
عرف ابن خلدون قدر المؤرخين المسلمين الأوائل لتميزهم في العرض الشامل للأحداث التاريخية، بيد أنه لاحظ أن من جاء بعدهم من المؤرخين أدخلوا عادة توثيق القصص الموضوعة والروايات الزائفة. لم يهتم ذلك الجيل الثاني من المؤرخين، أثناء عرض الروايات التاريخية، بالظروف الطبيعية وتغير أحوال الأمم والأعراق وعاداتهم، ولاحظ ابن خلدون أنهم عرضوا الروايات التاريخية على أنها حقيقة ثابتة دون أي أدلة داعمة. ولذلك وضع منهجًا للنقد التاريخي يتكون من عدة خطوات تقييمية أساسية. حتى يقدم المؤرخون روايات تاريخية أصيلة وموثوقة لا بد أن يكونوا على “علم بقواعد السّياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السّير والأخلاق والعوائد والنّحل والمذاهب وسائر الأحوال”، وكذلك يحتاجون إلى معرفة شاملة بأحوال الحاضر في جميع جوانب الحياة. ثم يجب على المؤرخين أن يقارنوا أحوال الحاضر والماضي، وأن يأخذوا بعين الاعتبار أوجه التشابه والاختلاف الواضحة بين هذه الحقب الزمنية عند تقييم الأحداث التاريخية. وبناءً على ذلك، حث ابن خلدون المؤرخين على الوعي بالظروف المتباينة التي أدت إلى قيام الدول المختلفة، بالإضافة إلى الأسباب والدوافع المتباينة التي أدت إلى نشأتها، والظروف الواقعية والأهداف الرئيسية لمؤسسيها. يعتقد ابن خلدون أن الهدف الأساسي للمؤرخين يجب أن يكون الإلمام بأسباب كل حدث، وأصل كل واقعة. وفي مرحلة التقييم الأخيرة أوصى المؤرخين بعرض المعلومات المنقولة على المبادئ الأساسية التي ترسخت لديهم، فإن طابقتها فهي سليمة، وإلا فزائفة.[1]
الفكر الاقتصادي: حظي ابن خلدون بحس عميق ومعرفة واسعة بالتاريخ إلى جانب ملاحظاته الدقيقة للبشر والأزمنة والأماكن، فوظف كل ذلك لإجراء بحث تجريبي وعميق لتحليل دور الثروة في قيام الحضارات وسقوطها، فجاء بفكر اقتصادي أصيل. ولأول مرة في ميدان الاقتصاد طرح ابن خلدون تساؤلات اجتماعية واقتصادية متعلقة بالسكان والثروة والعمل والفضلة وتطلعات العاملين لرؤية ثمرة عملهم. لقد أظهر ابن خلدون سعة وعمقًا في تناوله القيمة وعلاقتها بالعمل، وتحليله لنظريته حول جمع رأس المال وعلاقته بصعود الدول وسقوطها، وفهمه لديناميكيات الطلب والعرض والأسعار والأرباح، ومعالجته للشؤون المالية ودور الحكومات، ونظريته الفذة حول الضرائب وغير ذلك من الموضوعات الاقتصادية. لم يزرع ابن خلدون بذور الاقتصاد الكلاسيكي فحسب -سواء الإنتاج أو العرض أو التكلفة- بل أيضا كان رائدًا في مجالات الاستهلاك والطلب والمنفعة، التي هي حجر الزاوية في النظرية الاقتصادية الحديثة.[2]
إن إسهامات ابن خلدون غير المسبوقة تجعل منه رائدًا بارزًا في تاريخ الفكر الاقتصادي، هذا إن لم يكن “أبا” علم الاقتصاد الحديث، وهو لقب مُنحه آدم سميث الذي نُشرت أعماله البارزة بعد ثلاثمئة وسبعين سنة من وفاة ابن خلدون.
كانت الحضارة الإسلامية في تراجع عندما ألف ابن خلدون مقدمته، وظلت مناهجه وقواعده في طي النسيان في العالم الإسلامي قرونًا. ومع ذلك، فقد استخدم الباحثون الأوربيون في العصر الحديث أفكاره ومنهجيته بكثافة في علم الاجتماع، والعلوم السياسية، والاقتصاد، والتاريخ. بدأت تتردد سيرة ابن خلدون في المؤلفات الأوروبية في نهاية القرن السابع عشر، فيما ظهرت ترجمات المقدمة في أوروبا عام 1806م.
[1] See, Ahmed Elyas Hussein, “Ibn Khaldun’s Contribution to Historical Criticism,” in Ahmed Ibrahim
Abushouk (ed.), Ibn Khaldun and Muslim Historiography (Kuala Lumpur: International Islamic University
Malaysia, 2003), 7-8.
[2] Oweiss Ibrahim, “Ibn Khaldun, The Father of Economics,” Georgetown University,
<http://www9.georgetown.edu/faculty/imo3/ibn.htm> (accessed 13 August 2013).
يقدم رواية شاملة لكيفية تحول منظومة الفقه الإسلامي من تقاليد جماعية متطورة، إلى مشروع علمي فردي.
يقدم رواية شاملة لكيفية تحول منظومة الفقه الإسلامي من تقاليد جماعية متطورة، إلى مشروع علمي فردي.
وضع ابن خلدون في المقدمة الأسس النظرية والمنهجية لمختلف ميادين المعرفة